فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 92

فإن تسنى للعقل إدراك علة حكم الأصل ثبت المجال للقياس وأمكن تعدية حكم الأصل إلى كل ما يشترك فيه في العلة، وثبت مثل حكمه فيه، وذلك كحرمة الخمر فإن علة هذه الحرمة وهي الإسكار يمكن للعقل أن يهتدي إليها فيعدي هذا الحكم وهو الحرمة إلى كل مسكر كالنبيذ مثلا، فإن كانت علة الحكم يدركها كل من يفهم اللغة كعلة حرمة التأفيف بالنسبة للوالدين، فهذه العلة وهي الأذى التي يدركها كل من يفهم الألفاظ ومعانيها لا اعتبار لها في مجال القياس، إذ لا اعتبار إلا العلة التي تدرك بالنص عليها في الكتاب أو السنة أو الإجماع أو بالاجتهاد والرأي.

3 ـ أن يكون هذا الوصف ظاهرا، فلا يجوز التعليل بالخفي، وهو الذي لا يدرك بحاسة من الحواس الظاهرة لأن العلة معرفة للحكم الشرعي الذي هو خفي فلا بد وأن يكون المعرف وصفا جليا لأن الخفي لا يعرف الخفي.

فالإسكار علة في تحريم الخمر لأنه وصف ظاهر يدرك بالحس فيصلح أن يكون علة، والتراضي بين المتعاقدين في البيع مثلا لا يصلح أن يكون علة في نقل الملكية لأنه وصف خفي لا يدرك بالحس، والقدر مع اتحاد الجنس يصلح أن يكون علة في الأموال الربوية لأن العلة وصف ظاهر يدرك بالحس، وحصول نطفة الزوج في رحم الزوجة لا يصلح أن يكون علة في ثبوت النسب لأنه وصف خفي.

وذهب أكثر الأصوليين إلى أن الخفاء في العلة لا يقدح فيها لأن العلة تكون خفية في نفسها، لكن تكون جلية بحسب أمر خارج كرضا المتعاقدين في البيع إذ هو أم خفي لا يمكن الاطلاع عليه لكنه جلي بالنسبة لما يدل عليه من الإيجاب والقبول، فصلح أن يكون الرضا في هذه الحالة علة مع كونه وصفا خفيا لأنه جلي باعتبار أمر خارجي.

4 ـ أن يكون هذا الوصف منضبطا ـ أي يستوي بالنسبة له جميع الأفراد ـ وذلك كالسفر فإنه على في قصر الصلاة، والسفر وصف منضبط لأن له حقيقة معنية لا تختلف باختلاف الأفراد والأحوال.

وإنما كان الانضباط لا بد منه في الوصف، لأن مبني القياس على التساوي بين الأصل والفرع في علة الحكم، فإن كانت العلة من الأوصاف التي تختلف باختلاف الأفراد والأحوال لم يتأت التساوي الذي ينبني عليه القياس، وعلى هذا لا يصلح أن تكون المشقة علة في إباحة الفطر في رمضان للمسافر، لأن المشقة من الأمور التي تختلف باختلاف الأفراد والأحوال،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت