الأغراب على المدينة، والدافة: جماعة من الناس تنتقل من بلد إلى بلد طلبا للزاد، هذا تنصيص على العلة في النهي عن الادخار بقوله (لأجل) ومثل: (حرمت الخمر لشدتها) [1] . ومثال الإيمان: قوله عليه الصلاة والسلام حينما سئل عن سؤر الهرة ـ أي الباقي مما شربت منه بعد شربها ـ، (إنها ليست بنجس ـ أي فلا ينجس ما لامسته ـ إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات) [2] ، فقوله: (أنها من الطوافين ... ) يومئ إلى تعليل الحكم بما ذكره، وإن لم يكن موضوعا للتعليل، وإلا لما كان لذكره فائدة.
الثانية: أن يكون الفرع أولى بالحكم من الأصل، مثاله: قياس ضرب الوالدين على التأفيف في الحرمة، لعلة جامعة بينهما وهي الإيذاء المنصوص عليه بقوله تعالى:"فلا تقل لهما أف" [3] فإن الضرب أولى بالتحريم من التأفيف لشدة الإيذاء فيه، وهذا ما يسمى بدلالة النص أو بفحوى الخطاب [4] .
وقد استبدل الإمام الغزالي بالصورة الثانية صورة أخرى وهي: الأحكام المعلقة بالأسباب: أي الواردة على سبب، مثل (زنى ماعز فرجم، وقطع سارق رداء صفوان) [5] ، وهذا راجع إلى ما يعرف بتنقيح مناط الحكم الآتي بيانه، ولكني أجد أن ما ذكره الغزالي راجع إلى الصورة الأولى، من نوع العلة المنصوص عليها بطريق الإيماء، مثل جواب الرسول عليه الصلاة والسلام لسائل قال: (واقعت أهلي في رمضان، فقال أعتق رقبة) [6] ، فكأنه قال: واقعت فأعتق.
(1) الجامع الصحيح المختصر جـ 5/ 2120 رقم الحديث 5257، صحصح مسلم جـ 3/ 1982.
(2) أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وصححه الترمذي والبخاري وابن خزيمة والعقيلي والدارقطني، من حديث أبي قتادة (سبل السلام 1/ 23) وما بعدها، نيل الأوطار 1/ 35.
(3) سورة الإسراء الآية: 23.
(4) المستصفي جـ 2 ص 274.
(5) المرجع السابق جـ 2 ص 274.
(6) رواه أصحاب الكتب السبعة (أي مع أحمد) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل هو سلمة أو سلمان بن صخر البياضي، فقال هلكت يا رسول الله، قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: هل نجد ما تعتق رقبة؟ الحديث (سبل السلام 2/ 163) .