تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [البقرة: 216] .
ومن لطيف لطفه بعبده إذ أهّلَه للمراتب العالية، والمنازل السامية - التي لا تُدرَك إلا بالأسباب العِظام التي لا يدركها إلا أربابُ الهممِ العالية، والعزائمِ السامية - أن يُقدِّر له في ابتداء أمره بعضَ الأسباب المحتملة المناسبة للأسباب التي أُهِّل لها؛ ليتدرج من الأدنى إلى الأعلى، ولتتمرن نفسُه، ويصير له ملكة من جنس ذلك الأمر، وهذا كما قَدَّر لموسى ومحمدٍ وغيرِهما من الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - في ابتداء أمرهم رعايةَ الغنم؛ ليتدرجوا من رعاية الحيوان البهيم وإصلاحه إلى رعاية بني آدم ودعوتهم وإصلاحهم.
وكذلك يذيق عبدَه حلاوة بعض الطاعات؛ فينجذب ويرغب، ويصير له ملكة قوية بعد ذلك على طاعات أجلّ منها وأعلى، ولم تكن تحصل بتلك الإرادة السابقة، حتى وصل إلى هذه الإرادة والرغبة التامة.
ومِن لطفه بعبده: أن يُقدّر له أن يتربى في ولاية أهل الصلاح والعلم والإيمان، وبين أهل الخير؛ ليكتسب مِن أدبهم وتأديبهم، ولينشأ على صلاحهم وإصلاحهم، كما امتن الله على مريم في قوله تعالى: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} [آل عمران: 37] إلى آخر قصتها.
ومن ذلك: إذا نشأ بين أبوين صالحين، وأقارب أتقياء، أو في بلد صلاح، أو وفّقه الله لمقارنة أهل الخير وصحبتهم، أو لتربية العلماء الربانيين؛ فإن هذا مِن أعظم لطفه بعبده، فإن صلاح العبد موقوف على أسباب كثيرة: منها، بل من أكثرها وأعظمها نفعا، هذه الحالة، ومن ذلك إذا نشأ العبد في بلد أهله على مذهب أهل السنة والجماعة فإن هذا لطف له.
وكذلك: إذا قدر الله أن يكون مشايخه الذين يستفيد منهم - الأحياء منهم والأموات - أهل سنةٍ وتقى؛ فإن هذا من اللطف الرباني، ولا يخفى لطف الباري في وجود شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله - في أثناء قرون هذه الأمة - وتبيين الله به وبتلامذته مِن الخير الكثير، والعلم الغزير، وجهاد أهل البدع والتعطيل والكفر، ثم انتشار كتبه في