وكثرت الأموال كان - رضي الله عنه - ينهى المسلمين أشد النهي عن الترف، ويأمرهم بالخشونة والاقتصاد الذي به صلاح المعاش والمعاد، وبالله التوفيق.
35.قوله تعالى: {فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الروم: 50] فإذا كانت الأرض الخاشعة الخالية من كل نبت، إذا أنزل الله عليها المطر اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، واختلط نبتها، وكثرت أصنافه ومنافعه؛ جعله الله تعالى من أعظم الأدلة الدالة على سعة رحمته وكمال قدرته، وأنه سيحيي الموتى للجزاء، فالدليل في القلب الخلي من العلم والخير حين ينزل الله عليه غيث الوحي فيهتز بالنبات، وينبت من كل زوج بهيج من العلوم المختلفة النافعة، والمعارف الواسعة، والخير الكثير، والبر الواسع، والإحسان الغزير، والمحبة لله ورسوله، وإخلاص الأعمال الظاهرة والباطنة لله وحده لا شريك له، والخوف والرجاء، والتضرع والخشوع لله، وأنواع العبادات وأصناف التقربات، والنصح لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، وغير ذلك من العلوم والأعمال الظاهرة والباطنة، والفتوحات الربانية، مما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر: أعظم مِن الأرض بكثير، على سعة رحمة الله وواسع جوده، وتنوع هباته وكمال اقتداره وعزته، وأنه يحيي الموتى للجزاء، وأن عنده في الدار الأخرى من الخيرات والفضل ما لا يعلمه أحد غيره، وقد نبّه الله على أن حياة القلوب بالوحي بمنزلة حياة الأرض بالغيث، وأن القلوب الخالية من الخير بمنزلة الأرض الخبيثة، فقال تعالى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} [الأعراف: 58] .
36.نية العبد تقوم مقام عمله: وإذا أحسن العبد في عبادة ربه، ووطن نفسه على الأعمال الفاضلة الشاقة؛ سهل الله له الأمور، وهوّن عليه صعابها، وربما انقلبت المخاوف أمنًا، وتبدلت المحنة منحة، وربما حصل من آثار ذلك خيرُ الدنيا والآخرة؛ ويدل على ذلك قوله تعالى: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ} - إلى قوله - {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [آل عمران: 172 - 174] فلا يُستنكر هذا الخير على ذي الفضل