فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 116

ـ فصل ـ

71.قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ} [المدثر: 38، 39] أي كل نفس مرتهنة محبوسة وموثقة بكسبها السيئ، وحبسها في العذاب السيئ؛ وذلك لأن الجزاء من جنس العمل، فكما حبس المجرمون ما لديهم لله ولخلقه من الحقوق اللازمة، فلم يؤدوا الصلاة التي هي أكبر العبادات المتضمنة للإخلاص للمعبود، ولا أطعموا المساكين من الحق الذي أوجبه الله لهم في أموالهم، ولا حبسوا نفوسهم على ما شرع، وقيدوها بقيود الدين، بل أطلقوها فيما شاءوا من المرادات الفاسدة، فخاضوا بالباطل مع الخائضين، ولا صدقوا ربهم ورسله مع تواتر الآيات، بل كانوا يكذبون بيوم الدين؛ فلذلك حبسوا في هذا المحبس الفظيع، وأُدخلوا في سقر، ولما كان أصحاب اليمين قد حبَسوا نفوسهم في الدنيا على شرع الله تصديقًا وعملًا، وأطلقوا ألسنتهم وجوارحهم في طاعة الله ومرضاته؛ أطلق الله إسارهم وفك رهنهم، فلم يكونوا في ذلك اليوم مرتهنين، بل كانوا مُطلَقين فيما اشتهت أنفسهم ولذت عيونهم. فعملُ العبد في الدنيا إما أن يكون سببًا لارتهانه أو سببًا لخلاصه، بل الأصل أن الإنسان في حبس، وأن عمله سيُرتهن؛ لأنه ظلوم وجهول طبعًا، إلا من خلصه الله من هذا، ومنّ عليه بالصبر وعمل الصالحات، فلهذا جعل الارتهان عامًّا، واستثنى منه أصحاب اليمين؛ فقال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ} .

72.كلما ازداد العبد قربًا من الله - بالإيمان به، والتحقق بحقائقه، ومعرفته بالله، ومحبته والإنابة إليه وإخلاص العمل له - حصل له الخير والسرور، واندفعت عنه أنواع الشرور، وزالت عنه المخاوف، وسهلت عليه صعاب الأمور، وهذا هو المعنى الذي أراد الله بقوله لموسى: {لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ * إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ} [النمل:10، 11] ويدل على هذا قوله: {لَا يَخَافُ لَدَيَّ} ولم يقل:"لا يخاف مني"أي: لا خوف ينال من مننتُ عليه بأكمل الحالات وأشرف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت