فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 116

68.قوله تعالى: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم: 12] ذكر كثيرٌ من المفسرين أن تقديره:"فوهبنا له يحيى، وقلنا يا يحيى إلخ"ولا يُحتاج إلى هذا! فإنه صرّح أولًا بهِبَته يحيى في قوله: {يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى} [مريم: 7] فلو ذُكر بعد ذلك لكان تكريرًا لا يُحتاج إليه.

69.قوله تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59] عذابًا مضاعفًا شديدًا - اتبعوا الشهوات بمعنى: أرادوها وصارت هي همهم، وانقادوا لها، وصاروا مطيعين لها؛ فلذلك قال: {اتَّبَعُوا} ولم يقل:"تناولوا, وأكلوا"ونحوه لهذا المعنى؛ لأن هذا الذم إنما يتناول متبعي الشهوات, فمهما اشتهت نفوسُهم فعلوه على أنه المقصود المتبوع! ومن المعلوم أن النفس من طبعها أنها أمارة بالسوء, فإذا كان هذا طبعُها عُلم أن ذمهم على اتباع الشهوات يدخل فيه المعاصي كلُّها, فلذلك رتب على هذا العقابَ البليغَ في قوله: {فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} وهذا بخلاف المؤمن المطيع لله؛ فإنه - وإن تناول الشهوات - فإنه لا يتبعها ولا تصير أكبرَ همه، ولا مبلغ علمه، بل يتناولها على وجه تكون هي تابعة لغيرها لا متبوعة، وخواص المؤمنين يتناولون الشهوات بقصد التوسل بها إلى القربات فتنقلب طاعات! ونظير هذا: أن الذي تناوله الذمُّ هو اتباعُ الهوى، وهو كونه متبوعًا بأن يتخذ العبدُ إلهه هواه، لا مجرد أن يكون للعبد هوى، فكلُّ أَحدٍ له هوى، ولكن المؤمن كما قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات:40، 41] .

70.قوله تعالى: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65] اشتملت على أصول عظيمة: على توحيد الربوبية، وأنه تعالى رب كل شيء وخالقه ورازقه ومدبره، وعلى توحيد الإلهية والعبادة، وأنه تعالى الإله المعبود، وعلى أن ربوبيته موجبة لعبادته وتوحيده، ولهذا أتى فيه بالفاء الدالة على السبب فقال: {فَاعْبُدْهُ} أي: فكما أنه ربُّ كل شيء؛ فليكن هو المعبود حقًا فاعبده، ومنه الاصطبار لعبادته تعالى، وهو: جهاد النفس وتمرينها، وحملها على عبادة الله تعالى، فيدخل في هذا أعلى أنواع الصبر، وهو: الصبرُ على الواجبات والمستحبات،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت