6.قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ} [المدثر: 1، 2] نبّه الله تعالى فيها على حال رسوله وكماله، وإتمام نعمة الله عليه، وكم بين ابتداء أمره وانزعاجه من الوحي، وتدثره من شدة ما لقي، وبين آخر أمره حين أتم اللهُ أمورَه كلها؛ ولهذا أمره بتكميل نفسه وتكميل غيره، وأرشده إلى ما ينال به ذلك: وهو القيام التام على وجه النشاط والتعظيم لربه، وتكبيره في باطنه، وتطهير أعماله وثيابه الظاهرة، وترك كل شر ودنس، واستعمال روح الأعمال، وهو الإخلاص في كل شيء، حتى في العطاء؛ فلهذا قال: {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} [المدثر: 6] ثم أرشده إلى ما يعينه على كل الأمور، وهو الصبر لوجه الله، فقال: {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} [المدثر: 7] ثم تكفل له بحفظه من الأعداء، وحفظ ما جاء به بتوعدهم بالعذاب، خصوصًا لأكبرهم عنادًا وأعظمهم عداوة، وهذا تمام النعمة.
7.قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ... } الآيات [البقرة: 228] وكذلك قوله: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ... } الآية [البقرة: 234] التربص المذكور هو: الانتظار والمكث في العدة، فما الفائدة في قوله: {بِأَنْفُسِهِنَّ} مع أنه يغني قوله:"يتربصن ثلاثة قروء"و"يتربصن أربعة أشهر وعشرًا"؟ فاعلم أن في قوله: {بِأَنْفُسِهِنَّ} فائدة جليلة وهي: أن هذه المدة المحدودة للتربص مقصودة لمراعاة حق الزوج والولد، ومع القصد لبراءة الرحم، فلا بد من أن تكون في هذه المدة منقطعة النظر عن الرجال، محتسبة على زوجها الأول، لا تُخطب ولا تَتجمل للخُطاب، ولا تعمل الأسباب في الاتصال بغير زوجها، ويدل على هذا المعنى قوله: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 234] أي من التجمل والتبهي، ولكن بالمعروف على غير وجه التبرج المحظور، ويدل على هذا قوله في الآية الأخرى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} [البقرة:240] فلم يأمر هذه المرة أن يتربصن بأنفسهن، بل جعلها وصية تتمتع بها المرأة سنة بعد موت زوجها جبرًا لخاطرها؛ ولهذا رفع الحرج عنها بالخروج، وأنها بعد الخروج لها التجمل المعروف، وقبل ذلك، كما جبر الورثة قبلها لأجل زوجها، فعليها العدل وترك التجمل، وهذا