فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 116

تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ} [هود: 23] يتضمن وصفَ المخبتين الخاشعين بالرجوعِ إلى ربهم في جميع الحالات، والإنابة إليه في كل الأوقات؛ لأن تَعدية الفعل بـ (إلى) يدل على هذا المعنى، فإنهم لما أخبتوا إلى ربهم، وخضعوا لعظمته؛ أخبتوا إليه في التعبد متذللين فتقبّل منهم، وأوصلهم إلى مقصودهم، وجعلهم أصحابَ الجنة خالدين فيها، فلما خشعت قلوبُهم؛ خشعت أسماعُهم وأبصارُهم وألسنتُهم وجوارحُهم للرحمن.

ومما يدل على أن هذه الأشياء تابعة للقلب في خشوعه: ما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه» [1] ، وقوله تعالى: {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ} [طه:111] ، {وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ} [طه: 108] ، ولهذا فسّر كثيرٌ من المفسرين: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 2] أنه غض البصر، وقلة الحركات، وعدم الالتفات، ولا شك أن هذا أثرُ الخشوع ودليلُه، فالخاشع: هو الذي سكن في قلبه تعظيمُ الله ووقارُه، وتصديقُ وعده ووعيده؛ فذلَّ وخضع، وانقادت جوارحه لما أُمرتْ به، وترك الأشرَ والبطرَ والمرحَ المنافي للخشوع، وكلما بعُد القلبُ عن هذا الوصف قسا وغلظ؛ فلم يخضع لأمر الله، ولا أثَّر فيه الذكر، بل ربما زاد خسارًا، وافتتن عند المحن والشبهات، وفسق عن أمرِ ربه.

85.يا لطيفًا بالعباد، لطيفًا لما يشاء؛ الطف بنا في جميع الأمور، ما معنى: لطف اللهُ بعبده، ولطفه لعبده الذي تتعلق به آمال العباد، ويسألونه من ربهم؟ وهو أحد معنيي مقتضى اسمه اللطيف؛ فإن اللطيف بمعنى الخبير العليم قد تقرر معناه، ولكن المطلوب هنا المعنى الثاني، الذي يضطر إليه العباد، ولنذكر بعض أمثلته وأنواعه؛ ليتضح: فاعلم أن اللطف الذي يطلبه العباد من الله بلسان المقال ولسان الحال هو من الرحمة، بل هو رحمة خاصة؛ فالرحمة التي تصل العبد من حيث لا يشعر بها أو لا يشعر بأسبابها هي اللطف، فإذا قال العبد: يا لطيف الطف بي أولي وأسألك لطفك؛ فمعناه: تولني ولاية خاصة، بها تصلح أحوالي الظاهرة والباطنة، وبها تندفع عني جميع المكروهات: من الأمور الداخلية والأمور الخارجية، فالأمور الداخلية لطف بالعبد

(1) سبق تخريجه قريبًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت