له تعالى في ذلك الاسم أكمله وأعظمه، وأن هذا الكمال والعظمة ليس له منتهى، ويعرف أن كل ما ناقض هذا الكمال بوجه من الوجوه فإن الله تعالى منزه مقدس عنه، لما كان هذا النوع هو أصل الإيمان بالغيب وأعظمه وأجله؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحد، من أحصاها دخل الجنة» [1] أي ضبط ألفاظها، وأحصى معانيها، وتعقلها في قلبه، وتعبد الله بها، وتقرب بمعرفتها إلى رب العالمين؛ فينبغي للمؤمن الناصح لنفسه أن يبذل ما استطاع من مقدوره في معرفة أسماء الله وصفاته وتقديسه، ويجعل هذه المسألة أهم المسائل عنده، وأولاها بالإيثار، وأحقها بالتحقيق؛ ليفوز من الخير بأوفر نصيب، ولهذا لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الأنصاري عن سبب ملازمته لقراءة سورة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص:1] في صلاته فقال:"لأنها صفة الرحمن، فأحب أن أقرأ بها"فقال: «حبك إياها أدخلك الجنة» متفق عليه [2] .
83.ثبت أن حبَّ العبدِ لصفات الرحمن، وملازمة تذكرها، واستحضار ما دلت عليه من المعاني الجليلة، والتفهم في معانيها؛ من أسباب دخول الجنة، وطريق ذلك: أن يجمع العبدُ الأسماءَ الحسنى الواردة في القرآن، وهي قريب من ثمانين اسمًا - وفي السُّنة زيادة على ذلك - فيتدبرها، ويعطي كل اسمٍ منها عمومَ ذلك المعنى وكماله وأكمله، فإذا تدبر اسمَ الله عرف أن الله تعالى له جميع معاني الإلهية، وهي كمال الصفات والانفراد بها، وعدم الشريك في الأفعال؛ لأن المألوه إنما يُؤلَه لما قام به من صفات الكمال، فيحب ويخضع له لأجلها، والباري جل جلاله لا يفوته من صفات الكمال شيء بوجه من الوجوه، أو يُؤلَه ويُعبد لأجل نفعه وتوليه ونصره، فيجلب النفع لمن عبده، ويدفع عنه الضرر، ومن المعلوم أن الله تعالى هو المالك لذلك كله، وأن أحدًا من الخلق لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعًا ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، فإذا تقرر عنده أن اللهَ وحده المألوه؛ أوجب
(1) البخاري ح (2736) ، مسلم ح (2677) .
(2) هذا من ألفاظ البخاري ح (741) ولفظ مسلم ح (813) : «أخبروه أن الله يحبه» .