فنعمة الدين: بالعلم الهادي إلى الصراط المستقيم، وبتقوى الله التي هي امتثال أمره واجتناب نهيه؛ ونعمة الدنيا: بأن ينقطع العبد عن رجاء المخلوقين والافتقار إليهم، ويرزقه اللهُ العفةَ عن القبائح، ثم يغنيه بالحياة الطيبة، والخير الذي يكون عونًا له على عبادة ربه، قال تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17] ، وقال تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور: 33] وقد تضمن هذه الأمورَ الأربعةَ الدعاءُ الذي ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو بهذا الدعاء: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى» [1] .
80.إذا صدق العبدُ في حبه ما أمَرَ اللهُ به، وكراهته لما نهى اللهُ عنه، وبذل جهدَه في فعل المحبوب وترك المكروه، واستعان بالله وتضرع إليه في التوفيق لفعل ما يحبه، والحفظ مما يكرهه؛ فإن اللهَ أكرمُ الأكرمين، ولا يخيِّب عبدًا هذا شأنُه، ولو توالت وتكاثرت الأسباب المعارضة؛ فإن هذا السبب المجتمع من ثلاثة هذه الأشياء لا يتخلف عنه عند مسببه، وإنما يأتي العبدَ النقصُ من إخلاله بها أو بأحدها؛ ولهذا لما اجتهد يوسف الصديق عليه السلام، في السلامة من شر مراودة امرأة العزيز ومن أعانها على مرادها، وصدق في حبه وإيثاره طاعةَ الله على طاعة النفس، وتضرع إلى الله تعالى وتوكل عليه في حفظه وصيانته استعصم وحفظه الله، وصرف عنه السوء والفحشاء، فقال عليه السلام: {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [يوسف: 33] فاختار السجن المتضمن للعقوبة والإهانة على مراد النفس الدني، المثمر للخسران الدائم، وتملَّقَ إلى الله وتضرع في صرف كيدهن واجتهادهن في فتنته، وفوّض الأمرَ إلى ربه، وعلم أن الله إن وكَلَه إلى نفسه، ولم يصرف عنه كيدهن، فلا بد أن يصبو إليهن ويفعل أفعال الجاهلين؛ لأن هذا طبع النفس، إلا من رحم الله.
(1) مسلم ح (2721) .