66.قول شعيب عليه السلام: {وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا} [الأعراف: 89] بعد قوله: {قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا} [الأعراف: 89] مِن أعظم الأدلة على كمال معرفتِه بربه، فإنه أولًا: لما بيّن امتناع عودهم في ملة الكفار - بحسب ما كان عليه من مِنّة الله عليه بكراهته الشديدة لملّتهم، واغتباطه بإنجاء الله له منها، وأنهم لو عادوا في ملتهم بعد هذا كان من أعظم الافتراء على الله، الذي يمتنع غاية الامتناع ممن هذا وصفه، وكان هذا الامتناع أثرًا عمّا يسّر الله له من الأسباب - استدرك الأمرَ بعد ذلك، وعلم أن هذا الامتناع بحسب ما وصلت إليه علوم البشر، وأن عِلم الله تعالى محيط بعلومهم، فقد يعلمون شيئًا ويخبرون ما يترتب على علمهم مما يكون بحسب حكمة الله تعالى، ومع ذلك فالله غالب على أمره، وقد يتخلف العلمُ الذي علموه، وأثرُه الذي حكموا به؛ فقال: {إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا} ثم قرر ذلك بقوله: {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} ثم لجأ إلى أعظم الأسباب الصادرة مِن العبد، التي بها ينال ما عند الله من خير الدنيا والآخرة ودفع شرورهما، وهو: التوكل على ربه، فقال: {عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا} ثم بين ثقته التامة بوعد الله له بالنجاة، هو ومن تبعه، وهلاك من خالفه فقال: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف: 89] .
67.قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ * وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون:70،71] دلت على أن مخالفتهم للرسول لأجل ما جاء به من الحق، وأن عداوتهم الحقيقية للحق لذاته، وأنه السبب في ذلك؛ لأن الحق خالفَ أهواءَهم، وأن أهواءهم فاسدة يمتنع أن يَرِد الحقُّ بما يوافقها؛ لأن الحق هو صلاح السماوات والأرض ومن فيهن، ولو وافق الحقُّ أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن، فدل هذا على أن الحق جاء بما تشهد العقولُ الصحيحة، والفِطرُ المستقيمة بصحته واستقامته، واعتداله وكماله, وأن مَن خالف الحقَّ فلِفسادٍ في عقله، وانحرافٍ في فطرته، وأنه اختار الضار على النافع؛ فلهذا قال: {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ} .