ـ فصل ـ
43.ينبغي لمن طمحت نفسه لما لا قدرة له عليه، أو غير ممكن في حقه، وحزنَتْ لعدم حصوله، أن يسليها بما أنعم الله به عليه، مما حصل له من الخير الإلهي الذي لم يحصل لغيره؛ ولهذا لما طمحت نفس موسى عليه السلام إلى رؤية الله تعالى - وطلب ذلك من الله، فأعلمه الله أن ذلك غير حاصل له في الدنيا وغير ممكن - سلاه بما آتاه فقال: {يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [الأعراف: 144] ، وكذلك نبّه اللهُ رسولَه وعبادَه المؤمنين على هذا المعنى بقوله: {أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ} [النساء: 90] ؛ فإن النظر إلى هذه الحالة - وهو كف أيديهم عن المؤمنين ومسالمتهم - بالنسبة إلى الحالة الأخرى - وهي أن لو شاء الله لسلطهم على المؤمنين فقاتلوهم - مما يهون بها الأمر، فهم وإن لم يكونوا معاونين للمؤمنين؛ فكذلك لم يكونوا معاونين عليهم أعداءهم، ومما يشبه هذا: أن العبد مأمور أن ينظر إلى من دونه في المال والجاه والعافية ونحوها، لا إلى من فوقه؛ فإنه أجدرُ أن لا يزدريَ نعمة الله عليه، وكذلك إذا ابتلي ببلية فليحمد الله أن لم تكن أعظم من ذلك، وليشكر الله أن كانت في بدنه أو ماله لا في دينه، وصاحب هذه الحال مطمئن القلب، مستريح النفس، صبور شكور.
44.الإتيان بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا} [النور: 27] أحسن من قوله:"تستأذنوا"لأن (تستأنسوا) تتضمن الاستئذان وزيادة التعليل، وأن الحكمة التي شرع الله الاستئذان لأجلها هي: حصول الاستئناس مِن عدم الوحشة، ويدل ذلك أيضًا على أنه يحصل الإذن والاستئذان بكل ما يدل عليه عادة وعرفًا، لكن قد يقال: إن الاستئذان أيضًا يدخل فيه الاستئذان اللفظي والعرفي، والله أعلم.