50.سعي الإنسان في دفع أسباب التهمة السيئة عن نفسه والعار والفضيحة ليس بعار، بل ذلك من سيماء الأخيار، ولهذا لم يُجِب يوسفُ عليه الصلاة والسلام الداعيَ حين دعاه إلى الخروج من السجن والحضور عند الملك؛ حتى يتحقق الناسُ براءةَ ما قيل فيه {فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} [يوسف: 50] .
51.لما كان التوكل به حياة الأعمال والأقوال وجميع الأحوال، وبه كمالها؛ قال تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ} [الفرقان: 58] فأمر بالتوكل والاعتماد على الحيِّ كاملِ الحياة، فإذا حقق العبد التوكلَ على الحي الذي لا يموت؛ أحيا الله له أمورَه كلها، وكفِلها وأتمها، وهذا من المناسبات الحسنة التي ينتفع العبد باستحضارها وثبوتها في قلبه، فنسأل الله تعالى أن يرزقنا توكلًا يحيي به قلوبنا وأقوالنا وأفعالنا وديننا ودنيانا، ولا يكلنا إلى أنفسنا ولا إلى غيره طرفة عين ولا أقل من ذلك، إنه جواد كريم.
52.قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] اشتملت على فوائد عديدة:
الأولى، والثانية: أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الله تعالى عليٌّ على خلقه، وهذا مأخوذ من قوله: {نَزَّلْنَا الذِّكْرَ} فإنه نزل به جبريل من الله العزيز العليم؛ فكونه نازلًا من عند الله يدل على علو الله، وكونه أيضًا من عنده يدل على أنه كلام الله؛ فإن الكلام صفة للمتكلم ونعت من نعوته.
الثالثة: عظمةُ القرآن ورفعةُ قدره وعلوُّ شأنه؛ حيث أخبر تعالى في هذه الآية بما أخبر، أنه الذي تولى إنزاله وحفظه، ولم يَكِل ذلك إلى أحد من خلقه.
الرابعة: أن القرآن مشتمل على كل ما يحتاج العباد إليه من أمور الدنيا وأمور الدين، ومن الأحوال الظاهرة والباطنة، فإن معنى الذكر أنه متضمن لتذكير العباد وتنبيههم لكل ما يحتاجون إليه، وتتعلق به منافعهم ومصالحهم، والأمر كذلك؛ فإنه مشتمل على أمور الدين والدنيا ومصالحهما، على أكملِ وجه وأشملِه، بحيث لو تذكر الخلق بتذكيره، ومشوا على إرشاده؛ لاستقامت لهم جميع الأمور، ولاندفعت عنهم الشرور؛ ولهذا