أكثر الله في القرآن من حث العباد على الاهتداء به في كل شيء، والتفكر والتدبر لمعانيه النافعة ويترتب على هذا المعنى:
الفائدة الخامسة: وهي أن من قام بالقرآن وتذكر به كان رفعة له، وشرفًا وفخرًا، وحسنَ ذِكر وثناء، وبهذا أول قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} [الزخرف: 44] أي: شرفٌ ورفعةٌ لمن تذَكَّر به واستقام عليه.
السادسة: إن التذكر بغيره غيرُ مفيدٍ ولا مجدٍ على صاحبه نفعًا؛ لأنه إذا ثبت وتقرر أنه مادة التذكير لجميع المنافع؛ عُلم أن ما ناقضه وخالفه فهو بضد هذا الوصف؛ ولهذا أتى بالألف واللام المفيدة للاستغراق والعموم.
السابعة: أنه أتى بما يوافق العقل الصحيح والفطر المستقيمة، فليس فيه شيء مخالف ولا مناقض للمحسوس، ولا معاكس للقياس الصحيح، ولا مضاد للعدل والقسط والميزان والحق؛ لأن اللهَ سماه ذكرًا، والذكر هو الذي يُذكِّر العبادَ ما تقرر من فطرهم السليمة وعقولهم الصحيحة - من الحق والحث على الخير والنهي عن الشر - فهو مُذكّر لهم ما عرفوه مجملًا، ولم يهتدوا إلى كثير من تفاصيله، فبه تزداد العقول، وتتفتق الأذهان، وتزكو الفِطَر، ولشيخ الإسلام"ابن تيمية"- رحمه الله - في هذا المعنى كتاب:"موافقة العقل الصريح للنقل الصحيح" [1] .
الثامنة والتاسعة: أن الله تكفل بحفظه حال إنزاله، فلا يمكن أن يقربه شيطان فيغيره ويزيد فيه وينقص، أو يختلط بغيره، بل نزل به القويُ الأمينُ جبريلُ على قلب الرسولِ محمد - صلى الله عليه وسلم - القلبِ الزكي الذكي، الذي هو أكمل قلوب الخلق على الإطلاق، وضَمِن اللهُ لرسوله قرآنه وبيانه: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 18، 19] وتكفّل اللهُ أيضًا بحفظه بعدما نزل وتقرر، فأكمله الله تعالى، وأكمل به على عباده النعمة، واستحفظه لهذه الأمة على اختلاف طبقات علمائها وأئمتها، ووكلهم به، وائتمنهم عليه؛ فكل قرنٍ حمل عدولُه وأزكياؤه - الذين ضمن الله لهم العصمة عند اتفاقهم - ألفاظَه ومعانيه غضةً طرية، لا تغيير فيها ولا تبديل، وكل من أراد إدخال
(1) هو كتاب:"درء تعارض العقل والنقل".