فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 116

قولِه (جناح) ولما كانت هذه الآية لا يُتَصور فيها الماضي كما هو بيّن - لأنه شرط وجزاء للمستقبل، ويصلح للحال - قال: {فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} يعني في الحال، لمن اتقى اللهَ فيها، ثم ذكر ما يصلح للمستقبل فقال: {وَاتَّقُوا اللَّهَ} فإذا قُرِنت هذه بتلك بانت لك فائدةُ التكرار، وأن ذلك لأجل عموم الأزمنة.

الوجه الثاني: أن الأول في مقام الإسلام، والثاني في مقام الإيمان، والثالث في مقام الإحسان: والمؤمن لا تكمل تقواه حتى يترك ما حرم اللهُ، ولا يتمَّ دينُه إلا بهذه المقامات الثلاثة؛ لأن مقام الإسلام يقتضي وجود الأعمال الظاهرة مع الإيمان والتقوى، فقال فيها: {إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} ومقام الإيمان لا بد فيه من القيام بأركان الإيمان مع التقوى، فقال فيه: {ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا} ومقام الإحسان لا بد فيه من القيام بالإحسان مع التقوى، فقال فيه: {ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا} فنفي الجناح العام لا يكون إلا لمن قام بمقاماتِ الدِّين كلِّها؛ وعلى هذين الوجهين ففي الآية الكريمة من بيان جلالة القرآن وعظمته - وإحكام معانيه ورصانتها، وعدم اختلالها واختلافها - ما يشهد به العبدُ أنه كلامُ الله حقًا وصدقًا وعدلًا، وأنه مُحتوٍ على أعلى رُتَبِ البلاغة التي لا يقاربه فيها أيُّ كلام كان، وقد يُقال: إن كلا الوجهين مراد؛ لأن اللفظ لا يأباه، والمعنى مفتقر إليه، وطريقة القرآن أن يُحمَل على أعمّ الوجوه المناسبة؛ لأنه تنزيل من حكيم حميد، عليم بكل شيء، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه، اللهم ذكّرنا منه ما نُسِّينا، وعلِّمنا منه ما جهلنا، واجعلنا ممن يتلونه حق تلاوته.

87.أقول: ولما ختم المؤلف رحمه الله كلامه على معنى اللطيف قال: وأرجو من الله أن يكون ما نحن فيه من هذا النوع؛ فإن جنس هذه الفوائد المذكورة في هذه الرسالة قد كانت تعرض لي كثيرًا أثناء القراءة لكتاب الله، فأتهاون بها ولم أقيدها، فيضيع شيء كثير، فلما كان أول يوم من هذا الشهر المبارك أوقع في قلبي أن أقيد ما يمر عليّ من الفوائد والمعاني المتضحة، التي لا أعلم أنها وقعت لي قبل ذلك، فعملتُ على هذا النمط، حتى كان الانتهاء إلى لطف الله، كما كان الابتداء بلطف الله بهذه الرسالة اللطيفة! وكان ذلك موافقًا للثامن والعشرين من هذا الشهر المبارك، الذي حصل به الابتداء في 28 من شهر رمضان سنة 1347 سبع وأربعين وثلاثمائة وألف من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت