فتضعف نفسه، وتحضره الحسرات، بل يقوم بجدٍ واجتهاد، ولو حصل ما حصل من معارضة العباد.
وهذا المعنى تضمنّه إرشادُ الله بقوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [هود: 12] فأمره بالقيام به بجدٍ واجتهاد، مكملًا لذلك غير تارك لشيء منه، ولا حرج صدره لأذيتهم، وهذه وظيفته التي يُطالَب بها؛ فعليه أن يقوم بها، وأما هداية العباد ومجازاتهم فذلك إلى الله الذي هو على كل شيء وكيل.
34.قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} [الروم: 33] ونحوها من الآيات التي فيها هذا المعنى؛ فإذا كان هذا ثابتًا في أصل الدين، أن الناس أكثرهم إذا مسهم الضر أنابوا إلى الله؛ لعلمهم أنه كاشف الكربات وحده لا شريك له، وللضرورة التي تضطرهم إليه، ثم إذا زالت الضرورة عادوا إلى شركهم؛ فكذلك الأمر ثابت في فروع الدين، وفي سائر الأمور تجِدِ الناسَ مستجيبين لداعي الغفلة، مقيمين على ما يكرهه الله، غافلين عن ذكر ربهم ودعائهم، فإذا مستهم نائبةٌ من نوائب المحن أقبلوا إلى ربهم متضرعين، ولكشف ما بهم داعين، فأقبلوا وأنابوا، ثم إذا أزال الله شدتهم، وكشف كربتهم؛ عادوا إلى غفلتهم وغيهم يعمهون، ونسوا ما كانوا يدعونه إليه من قبل، كأنه ما كان.
وهذه الحال من أعظم الانحرافات، وأشد البليات التي يبتلى بها العبد، لا يعرف ربه إلا في الضرورة، وهذه شعبة من شعب الشرك، ومن كان فيه هذا الأمر ففيه شَبَه ظاهر مِن حال المشركين.
وإنما المؤمن الكامل الذي يعرف ربَّه في السراء والضراء، والعسر واليسر، فهذا هو العبد على الحقيقة، وهذا الذي له العاقبة الحسنة والسعادة الدائمة، وهذا الذي يحصل له النجاة من الكروب إذا وقع فيها، قال تعالى بعدما ذكر عن ذي النون أنه بسبب عبادته