فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 116

الآن قد استولى عليهم اليأس، وظنوا أن أمر الإفرنج الغربيين الآن سيظهر وسيدوم، وأن أهل الإيمان لا قيام لهم، وأنهم لا بد مغلوبون، وأعداؤهم لا بد غالبون! وسبب هذا: نظرهم إلى الأسباب المدرَكَة بالحس، وقَصَروا النظر عليها، ولم يقع في قلوبهم أن وراء الأسباب المشاهدة أسبابًا غيبية أقوى منها! وأمورًا إلهية لا تعارَض ولا تمانَع، وآفاتٍ تطرأ، وقواتٍ تزول، وضعفًا يزول، وأمورًا لا تدخل تحت الحساب! فهؤلاء أهل الكتاب، ذوو القوة والشوكة، قد غرتهم أنفسهم، وظنوا أن حصونهم مانعتهم، وأنهم يمتنعون فيها، ولم يخطر في قلوب المؤمنين خروجُهم منها! حتى جاءهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون، واستولى عليهم الضعف والخراب من حيث لا يشعرون، وللكافرين أمثالها، فالمؤمن حقًا: هو الذي ينظر إلى قدر الله وقضائه، وما له من العزة والقدرة، ويعلم أن هذا لا تعارضه الأسبابُ وإن عظمت، وأن نمو الأسباب ونتاجها متحقق إذا لم يعارضه القَدَر فإذا جاء القدر اضمحل عنده كل شيء، ولكن الأسباب محلُ حكمة الله وأمره؛ فأمر المؤمنين بالاستعداد لعدوهم ظاهرًا وباطنًا، فإذا فعلوا المأمور ساعدهم المقدور.

59.قوله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} [الحشر: 9] لا يمكن أن تكون القَبْليَّة في قوله: {مِنْ قَبْلِهِمْ} راجعة إلى الدار دون الإيمان؛ لأن اللفظ لا يساعد على هذا، لأن الوصف بالجار والمجرور، ولا يصلح إلا أن يعود على المعطوف والمعطوف عليه، فإلى أين يعود، وقد عُلم وتقرر أن المهاجرين قد تقدم إيمانُ كثيرٍ منهم على الأنصار؟ فالجواب: أن هذا عائد إلى الدار والإيمان على اللفظ المصرح به، وهو التبوء والاستقرار، ومعنى هذا: أن أهل الإيمان لهم حالُ تَبَوُءٍ وتمكينٍ يتمكنون فيه من إقامة دينهم، وقيامه في أنفسهم وفي غيرهم، ولهم حالُ وجودٍ للإيمان منهم دون تمكين، فلم يحصل التمكين إلا بعدما هاجروا إلى المدينة، وصار لهم دارُ إسلام، وأما قبل ذلك فهم وإن كانوا مؤمنين؛ لكنهم في حالة ذلة وقلة، محكومون مقهورون، خائفون على أنفسهم، وبهذا يتبين المعنى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت