13.لما قُتِل من قُتِل من الصحابة شهداء في سبيل الله؛ أنزل الله على المسلمين: بلغوا إخواننا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه، فتلوها مدة فأنزل الله بدلها: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 169 - 171] وفي هذا حكمة ظاهرة، فإنه مناسب غاية المناسبة أن يخبر الله عنهم إخوانهم وأصحابهم وأحبابهم بخصوصهم؛ ليفرحوا وتطمئن قلوبهم، وتسكن نفوسهم، ويقدموا على الجهاد، فلما حصل هذا المقصود، وكان هذا الحكم ثابتًا - لمن قتل في سبيل الله إلى يوم القيامة - وكان من بلاغة القرآن وعظمته أنه يخبر بالأمور الكلية، ويذكر الأصول الجامعة؛ أنزل الله هذه الآيات العامات المحكمات حكمة بالغة، ونعمة من الله على عباده سابغة.
ونظير هذا أنه كان مما يتلى:"الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ..."إلخ، فنسخ لفظها وجعل الشارع الرجم بوصف الإحصان؛ لأنه هو الصفة الموجبة لا وصف الشيخوخة، ولكن في ذِكر الشيخ والشيخة من بيان شناعة هذه الفاحشة - ممن وصل إلى هذه الحال وقبحها ورذالتها - ما يوطن قلوبَ المؤمنين في ذلك الوقت الذي كانت القلوب يصعب عليها هذا الحكم على الزنى، الذي كانوا آلفين له في الجاهلية؛ فلم يفجأهم بحكم الرجم دفعة واحدة، بل حكم به على الشيخ والشيخة اللذين ماتت شهوتهما، ولم يبق لهما إرادة حاملة عليه إلا خبثُ الطبع وسوءُ النية، فلما توطنت نفوسهم على قبحه شرع لهم الحكم العام، والله أعلم.
14.قوله تعالى: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا ... } الآية [الأنعام: 158] فسّر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بطلوع الشمس من مغربها، فالأحاديث الصحيحة دلت على أن أول الآيات طلوعُ الشمس من مغربها، والآية دلت على أن أي آية من آيات الله التي هي مقدمات الساعة - وبها يكون الإيمان اضطراريًا - أتت، فإنه لا ينفع الإيمان؛ لأنه إنما ينفع إيمانُ الاختيارِ وإيمانُ الغيب، وإذا أتى بعضُ الآيات صار الإيمان بشهادةٍ واضطرارٍ