فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 116

ـ فصل ـ

82.سؤال: ما هو الغيب الذي أثنى الله على المؤمنين به، وأخبر عن سعادتهم وفلاحهم واستحقاقهم النعيم المقيم؟ فلعل العبد يعرفه ويتعرف محالَّه ومواضِعه؛ فيجتهد في تحقيق الإيمان ليكون من المفلحين. فإن أكثر الناس - بل أكثر المؤمنين - ليس عندهم في هذا الباب إلا أمورٌ مجملة، وألفاظٌ غير محققة، وهذا نفعه دون نفع التنويع والتفصيل والتوضيح والتبيين بكثير كثير؛ فأفتونا بحسب قدرتكم واستطاعتكم؛ فإنا لا نطلب منكم شططًا، وإلا فقد تقرر أن هذه المسألة لا يتمكن خواص الخلق من إيفاء حقها وبيان أمرها، فأفتونا مأجورين.

الجواب: وبالله أستعين، وإليه أضرع في الهداية فيها وفي غيرها: الغيب هو خلاف الشهادة، ولهذا تقسم الأشياء قسمين: غيبية ومحسوسة، فالأمور المحسوسة المشاهدة لم يُعلّق الشارعُ عليها حكمًا من أحكام الإيمان، الذي يفرق به بين أهل السعادة وغيرهم، وذلك كالسماء والأرض وما فيها من المخلوقات المشاهدة، والطبائع المعلومة المعقولة؛ إنما يذكر الله تعالى من هذا النوع الأدلةَ والبراهينَ على ما أخبر به وأخبرت به رسله، القسم الثاني: وهو الغيب الذي أمر بالإيمان به، ومدح المؤمنين به في غير موضع من كتابه، وضابط هذا القسم: أنه كل ما أخبر الله به، وأخبرت به رسله على وجهٍ يدعو الناسَ إلى تصديقه والإيمان به، وذلك أنواع كثيرة: أجلها وأعلاها وأفضلها وأنفعها وأيسرها: ما أخبر به في كتبه، وأخبرت به رسلُه من أسماء الله الحسنى، وصفاته العليا، ونعوته الجليلة الجميلة، وأفعاله الحميدة، وفي الكتاب والسنة من هذا النوع شيء كثير جدًا بحسب الحاجة إليه؛ فإنه لا أعظم حاجة وضرورة من معرفة النفوس بربها ومليكها، الذي لا غنى لها عنه طرفة عين، ولا صلاح لها ولا زكاء إلا بمعرفته وعبادته، وكلما كان العبد أعرف بأسماء ربه، وما يستحقه من صفات الكمال، وما يتنزه عنه مما يضاد ذلك؛ كان أعظم إيمانًا بالغيب، واستحق من الثناء والمدح بحسب معرفته، وموضعُ هذا: تدبر أسمائه الحسنى التي وصف وسمى بها نفسه في كتابه وعلى لسان رسله، فيتأملها العبد اسمًا اسمًا، ويعرف معنى ذلك، وأن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت