تعالى بالحكمة، وأخبر عن كرم الله وسعة غناه، وكان في ضمن كلامه هذا الحض للعباد على هذه الأمور؛ ولهذا أتى باللفظ العام"ومن شكر، ومن كفر"، وإذا تأملت جميعَ القضايا التي تجري على الأنبياء وأتباعهم وورثتهم وجدتها بهذه الحالة ينتفعون بها، وينفع الله بها الخلق بسببهم، فنسأل الله تعالى أن يبارك لنا فيما أعطانا مِن نعم الدين والدنيا؛ فإن بركة الله لا نهاية لها، وجودَه لا حد له، والقليل إذا بارك الله فيه صار كثيرًا، ولا قليل في نِعم ربنا! فله الحمد والشكر بجميع أنواعهما حمدًا على ما له من أنواع الكمالات، وشكرًا على ما أسدى إلى الخلق من الإفضالات والهبات، بالقلب واللسان والجوارح، كثيرًا طيبا مباركًا فيه.
47.إبطال قول الخصم قد يكون بإبطال الدليل الذي استدل به، أو بإبطال دلالته على مطلوبه، وقد يكون بإبطال نفسِ المقالة التي ينصرها وإفسادِها، وقد يكون بإثبات نقيض ما قاله الخصم قولًا ودليلًا؛ لأن النقيض للشيء متى صح أحدُهما بطل الآخر، وقد اجتمعت هذه الأمور في قول يوسف عليه السلام - محتجًا على صحة التوحيد وإبطال الشرك: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 39، 40] فأبطل الشرك، وصوّر قبحَه عقلًا ونقلًا، وأن ما يُدعى مِن دون الله آلهة متفرقة، كل فريق يزعم صحة قوله وإبطال الآخر! والحال أنه لا فرق بينهما، وأن المشرك فيه شركاء متشاكسون، وأن هذه المعبودات من دون الله ليس فيها شيء من خصائص الإلهية؛ فليس فيها كمالٌ يوجب أن تُعبد لأجله! ولا فِعال بحيث تَنفع وتَضر فتُخاف وتُرجى، إنما هي أسماء لا حقائق لها، ومع ذلك ما أنزل الله بها من سلطان على عبادتها، فليس في جميع الحجج الصحيحة ما يدل على صحة عبادتها، بل اتفقت الحجج والبراهين كلها على إبطالها وفسادها، وعلى إثبات العبادة الخالصة لله الواحد الذي انفرد بالوحدانية، والكمال المطلق من جميع الوجوه، الذي ليس له شبيهٌ ولا نظيرٌ ولا مقارب، وهو القهار لكل شيء، فكل شيء تحت قهر الله، وناصيتُه بيد الله، فالواحد القهار هو الذي يستحق الحبَ والخضوعَ، والانكسارَ لعظمته، والذلَ لكبريائه.