81.قوله تعالى: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} [الكهف: 5] أبطلَ به قولَ مَن زعم أن لله ولدًا من ثلاثة أوجه، بل من أربعة: أحدها: أنه قول بلا علم؛ ومن المعلوم أن القول بلا علم من أعظم المختلقات، وأن ذلك من الجهالات والضلالات، خصوصًا في أعظم المسائل وأهمها وهي: مسألة التوحيد، وتفرد الباري جل جلاله بالكمال، وتنزهه عن كل ما لا يليق بجلاله - من أنواع النقائص المنافية لكمال الربوبية وعظمة الإلهية - فنفى عنهم العلم، ونفى عنهم التقليد لأهل العلم؛ فلم يقولوا شيئًا يعلمونه، ولا اقتدوا بالعالمين، بل هم وآباؤهم في ضلال مبين. والوجه الثاني، قوله: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} أي: عظمتْ وزادت في الشناعة إلى حدٍ يُستعجب كيف نطقوا به، وكيف خرجت هذه الكلمة الشنيعة من أفواههم! التي: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا} [مريم:91] ، وإنما كانت شنيعة جدًا لأنها متضمنة لشتم رب العالمين وسبه، كما قال في الحديث الصحيح: «شتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وكذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك: أما شتمه إياي فقوله: إن لي ولدًا وأنا الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، ولم يكن له كفوًا أحد ... » إلخ [1] ، فأي شتم أعظم من هذا الشتم! الذي مضمونه حاجة رب العالمين إلى اتخاذ الصاحبة والولد! ومنافاة وحدانيته وتفرده بالكمال! الوجه الثالث قوله: {إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} فسجّلَ على أن قولهم هذا هو الكذب الصراح والإفك المبين، وتأمل كيف ارتقى في إبطاله من وجه يبطله ويفسده إلى وجهٍ آخرَ يزيدُ في إبطاله، إلى وجهٍ ثالثٍ لا يبقى ريب ولا شك لكل ذي بصيرة في إبطاله، فنفى العلم بوجوهه، وشنع ما قالوه وعظمه، وأخبر عن مرتبته - وأنه قول - في أخس المراتب وأسفلها وهو: الكذب والافتراء، والوجه الرابع: ما يحصل به من مجموع هذه الأوجه، فإن الهيئة الاجتماعية يحصل منها أثرٌ ودلالةٌ غيرَ ما حصل لكل وجهٍ على انفراده، ويحصل بها مِن تصريح الدلالة ما يتضح به الحق وينجلي، وهكذا كل مسألة عليها عدة أدلة، فإنه يحصل بكل دليل على انفراده علم، ثم يحصل بالدليل الآخر علم آخر، ثم يحصل باجتماعهما علم
(1) البخاري ح (4974) .