48.قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} [الأحزاب: 4] هذه الآية جمعت كل علم صحيح! وذلك أن العلم: إما مسائل نافعة، وإما دلائل مصيبة؛ فأنفع المسائل المشتملة على الحق - وهو الصدق والعدل والقسط والاستقامة ظاهرًا وباطنًا - أهدى الدلائل وأرشدها ما هدى السبيل الموصل إلى المطالب العالية، والمراتب السامية، فالكتاب والسنة كفيلان بهذين الأمرين على أكمل الوجوه، وأتمها وأبينها، وما سوى ذلك فهو باطل وضلال؛ فماذا بعد الحق إلا الضلال، وما بعد الهداية إلى السبيل المستقيم إلا الهداية إلى سبيل الجحيم؟ {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان: 33] .
49.إن قلت: إن الله أخبر في غير موضع أنه لا يهدي القوم الظالمين، ولا يهدي القوم الفاسقين، والقوم الكافرين، والمجرمين، ونحوهم، والواقع أنه هدى كثيرًا من الظالمين والفاسقين، والقوم الكافرين والمجرمين، مع أن قوله صدق وحق، لا يخالفه الواقع أبدًا؟! فالجواب: أن الذي أخبر أنه لا يهديهم هم الذين حقت عليهم الشقوة وكلمة العذاب، فإنها إذا حقت وتحققت، وثبتت ووجبت؛ فإن هذا لا يتغير ولا يتبدل، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} [غافر: 6] ، {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [يونس: 33] ، {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [يونس: 96، 97] ، وغير ذلك من الآيات الدالات على هذا المعنى، وهؤلاء هم الذين اقتضت حكمة الله تعالى أنه لا يهديهم؛ لكونهم لا يصلحون للهداية ولا تليق بهم، فلو علم فيهم خيرًا لأسمعهم، ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون، وهم الذين مروا على أسباب الشقاء ورضوها واختاروها على الهدى، وأما مَن سبقت لهم من الله الحسنى فإن الله تعالى يهديهم ولو جرى منهم ما جرى؛ فإنه تعالى هدى كثيرًا من أئمة الكفر المحاربين له ولرسوله وكتبه فصاروا من المهتدين، والله عليم حكيم؛ فالذين أخبر عنهم أنه لا يهديهم هم الذين حقت عليهم الشقوة، والذين هداهم هم الذين سبقت لهم منه الحسنى؛ فصار النفيُ واقعًا على شيءٍ، ووقوعُ الهداية واقعًا على شيءٍ آخر؛ فلم يحصل تناقض ولله الحمد.