القول، وإذا حق القول على الأشقياء لم تنفعهم الآيات المسموعة والتذكير، كما لا تنفعهم الآيات التي يصير الإيمان عندها اضطراريًا، وهي الآيات الكبار، التي تكون مقدمة الساعة، فإنها إذا طلعت الشمسُ من مغربها لم ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا، حينئذٍ حق القول على الأشقياء أنهم لا يزالون على شقائهم، فيُخرج لهم دابة من الأرض تكلمهم، وتبيّن المسلم من الكافر، فالقول إذا حق لا يتغير ولا يتبدل، ويحصل اليأس من إيمان الكافرين ولو كانت الآيات أكبر الآيات، فالآية تقرر ما قبلها، وتدل على العلة الجامعة، وهي أن من حق عليه القول لو جاءته كل آية لم يؤمن حتى يرى العذاب الأليم، والله أعلم.
74.قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 197] تدل على أن أهل العلم بهم يُعرف الحق من الباطل، والحلالُ من الحرام، فهم الوسائل بين الله وبين عباده، ولهذا استشهد الله بهم على التوحيد وعلى النبوة، وعلى صحة القرآن - كما في هذه الآية - وعلى التوحيد في قوله: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ} [آل عمران: 18] ، وعلى القرآن قوله: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} [العنكبوت: 49] ، وتدل هذه الآيات على أن العلم الحقيقي هو ما جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، وما فرّق بين الحق والباطل، وما سوى ذلك - وإن كان صحيحًا - فلا يستحق صاحبُه أن يكون من أهل العلم الذين أمر الله بالرجوع إليهم، وإنما هو من أهل الذكر الذين قال الله فيهم: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] ، حقيق بمن منّ اللهُ عليهم بشيءٍ من العلم أن يكونوا أسرع الناس انقيادًا للحق، وأبعد الناس عن الباطل، ولهذا شدد الله الذم بمخالفة هذين الأمرين على أهل العلم؛ كقوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} [النساء:50] ، {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ} [النساء: 44] ، {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [آل عمران: 23] .
75.فائدة عظيمة - بل هي أعظم الفوائد على الإطلاق: الإيمان هو أعلى الخصال وأشرف المراتب وأكمل المناقب، بل لا يمكن أن تكون فضيلةٌ ولا ثوابٌ إلا