بالإيمان وحقوقه؛ ولذلك أثنى الله به على خيار خلقه والمصطفين من عباده فقال في كلٍ من نوح وإبراهيم وموسى وهرون وإلياس وغيرهم من الأنبياء: إنه من عبادنا المؤمنين، فعلل ما حصل لهم من الخيرات وزوال الشرور بإيمانهم، وقد علق الله الفلاح ودخول الجنان على الإيمان في قوله: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 1] ، ثم ذكر صفاتهم الناشئة عن إيمانهم، ثم قال: {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 10، 11] ، وقال تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 223] ، وقال: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس: 62، 63] ، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} [الحج: 38] والله يحب المؤمنين، إن الله لمع المؤمنين، وغير ذلك من نصوص الكتاب والسنة الدالة على فضله وفضل أهله، وأن الخير كله فيه، فعلى العبد الذي يريد نجاة نفسه، ويقصد كمالها وفلاحها أن يسعى غاية جهده، ويبذل مقدوره في هذا الوصف، وهو الإيمان علمًا ومعرفةً وعملًا وحالًا ووصفًا، وهو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» [1] فوصفه بأقوال اللسان التي يحبها الله ورسوله، وذكر أعلاها بالإحسان إلى عباد الله، أيَّ إحسانٍ كان - حتى إماطة الأذى عن طريقهم - وبأعمال القلوب التي أصلها الحياء، فإن من اتصف بالحياء من الله فقد انصبغ قلبه بمعرفة الله وحبه، وخوفه ورجائه، والتحبب إليه مهما أمكن، وحقيقة هذا: أن الإيمان اسم جامع للشرائع الظاهرة والباطنة، ولأقوال اللسان وأقوال القلب، وأعمال القلوب وأعمال الجوارح، وأن من قام بهذه الأمور ونصح فيها وأحسن كان أكمل إيمانًا، وأن من نقص معها معرفة وعلمًا وعملًا وحالًا صالحًا نقص من إيمانه بقدر ذلك، والناس في الإيمان درجات متفاوتة، فأكملهم من وصل في علوم الإيمان إلى علم اليقين وحق اليقين، وفي أعماله: من وفّى مرتبة الإحسان، وعبدَ الله على وجه الحضور والمراقبة، وفي أحوال الإيمان: من كانت آدابه وأخلاقه صبغة لقلبه، وحالًا غير حائلة، بل إن عرض له ما يشوش عليه إيمانَه بادر بالحال لإزالته، ورجع إلى نعته
(1) مسلم ح (35) ، وأصله في البخاري ح (9) ، وينظر: شرح النووي على مسلم: (2/ 5) .