ووصفه صبغة الله، ومن أحسن من الله صبغة! ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا» [1] فإن لم يتغير إيمانُه عند المعارضات - كالشهوات والإرادات السيئة وإتيان الأمر مخالفا لمراد النفس - كان هذا المؤمن حقًا، ولهذا قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15] ؛ ولهذا كان من كمال الإيمان أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، ولهذا أيضًا كان إخراج محبوب النفس - وهو المال - لله تعالى دليلًا على الإيمان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والصدقة برهان» [2] ، ولهذا أيضًا كان الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد.
ومن علامات الإيمان: ما ذكره الله بقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 2 - 4] فوصف المؤمنين بأنهم الذين إذا ذُكِر الله وجلت قلوبهم، أي: خضعت وخشعت وذلت لعظمته، وانكسرت لكبريائه؛ فتركت معاصيه، وخافت عقابه، واطمأنت بذكره {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28] ، وإنهم إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا، أي: ازدادوا بها علمًا وبصيرة، ورغبة في الخير ورهبة من الشر؛ فنما الإيمان في قلوبهم، وكان إيمانًاَ ناشئًا عن أعظم الأدلة والبيانات، كما قالوا: {رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 16] ، وقالوا: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا} [آل عمران: 193] ، وكما قال مؤمنو الجن: {وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ} [الجن: 13] ، فبحسب إيمان العبد يزدادُ إيمانُه عند تلاوة كتاب الله والحكمة، وهذا أعلى ما يكون من الإيمان، فإنه إيمانٌ عن أكبر البراهين، وإيمانٌ على بصيرة، لا كإيمان
(1) أبو داود ح (4682) ، الترمذي ح (1162) ، وأحمد (7402) ، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن حبان (479) .
(2) مسلم ح (223) .