فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 116

ضعفاء المؤمنين، الناشئ عن العادات والتقليد، الذي هو عرضة للعوارض والعوائق! وأما هذا الإيمان فهو إيمان لا تزعزعه الشبهات، ولا تعارضه الخيالات، بل يزداد مع صاحبه مدى الأوقات، ووصفهم بتحقيق التوكل عليه؛ فأعظم الناس إيمانًا أعظمهم توكلًا على الله - خصوصًا التوكل العالي الذي هو: الاعتماد التام على الله في تحصيل محابه ومراضيه، ودفع مساخطه - ولهذا يجعل الله التوكل ملازمًا للإيمان في كثير من الآيات، كقوله: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: 23] فالمؤمن حقًا تجده قائمًا بما أمر الله به من الأسباب، معتمدًا على مسببها ومصرفها، واثقًا بربه، لا يقلقه تشوشها، ويحزنه إتيانها على غير مراده، قد هدى الله قلبه فاطمأن إلى ربه ورضي به، وفوّض إليه أمرَه، ومن يؤمن بالله يهد قلبَه، قد تحقق قولَه تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحج: 70] ، {لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} [الحديد: 23] قد رضي بكفاية ربه، وسلّم إليه الأمر، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، ووصف المؤمنين حقًا في هذه الآية بأنهم الذين يقيمون الصلاة، أي: يقيمونها بقيام مكملاتها، ظاهرًا وباطنًا، ويؤتون الزكاة؛ فالصلاة فيها الإخلاص للمعبود، والزكاة فيها الإحسان إلى عباد الله تعالى، فبحسب إيمان العبد يكون قيامُه بالصلاة والزكاة اللتين هما أُم العبادات وأجلُّها، وأعلاها وأعظمها نفعًا وثمرات، وكذلك وصف اللهُ المؤمنين في قوله: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ} [المؤمنون: 1 - 10] فهذه الأوصاف العظيمة بها يكمل الإيمان ويتحقق، وهو ميزان للخلق، فالمؤمنون المفلحون أهل الفردوس، هم الذين أقاموا الصلاة ظاهرًا وباطنًا، بحقوقها وخشوعها - الذي هو لبها - وآتوا الزكاة المأمور بها، وحفظوا ألسنتهم من الكلام السيئ والفحش، ومن اللغو والكلام الباطل، ولهذا نبه بالأدنى الذي هو اللغو على ما هو أولى منه، فإخبار الله أنهم عن اللغو - الذي هو الكلام الذي لا منفعة فيه - معرضون؛ يدل على أنهم تركوا الكلام المحرم، وحفظوا فروجهم عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت