المراتب، وهي: الرسالة، ولكل مؤمن نصيب من هذا بحسب ما قام به من اتباع المرسلين، ويدل أيضًا أن المراد هذا المعنى العام الحسن الجليل: أن السياق والقرينة تدل عليه دلالة بينة؛ فإن الخوف الصادر من موسى إنما وقع لما رأى عصاه تهتز كأنها جان؛ فخاف حينئذٍ من تلك الحية بحسب الطبيعة البشرية، فأعلمه الله تعالى أن هذا محل القرب من الله، لا يليق ولا يكون فيه خوف، وإنما فيه الأمن التام؛ ولهذا قال في الآية الأخرى: {أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ} [القصص: 31] ، ويدل على هذا المعنى ما دل عليه الاستثناء في قوله: {إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} فإن الاستثناء معيار العموم، والأصل أن يكون من جنس المستثنى منه، فالمعنى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام:82] فإن ظلموا أنفسهم ثم رجعوا إلى ربهم وبدلوا سيئاتهم حسنات رجعوا إلى مرتبتهم، وأزال عنهم الغفورُ الرحيمُ موجبَ الظلم والإساءة، والله أعلم.
73.فائدة: وهي في الحقيقة تابعة للإيراد السابق في إخبار الله: لا يهدي الظالمين والكافرين ونحوهم، مع أنه وقع منه هداية لمن اتصف بذلك الوصف، وجوابه السابق: وهو أن النفي واقع على من حق عليه أنه مجرم من أهل النار، وأن الهداية الحاصلة لمن لم يكن كذلك، ثم تبين لي في يومي هذا، وتوضح معنى ما زال مشكلًا عليّ، وضّحَه اللهُ وله الحمد، وهو حل هذه الآية الكريمة: {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ} [النمل: 82] وأنها تقرير للآية التي قبلها فإن الله تعالى قال لرسوله مسليًا بعدم إيمان المعاندين، وأن هذا لا يضر الحق شيئًا: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ} [النمل:80، 81] فلما بين له أن اجتهاده صلى الله عليه وسلم في هداية الضالين إنما ينتفع به ويسمعه سمعَ قبولٍ وانقيادٍ مَن يؤمن بآياتنا فهم مسلمون، وأما الموتى الذين ليس في قلوبهم أدنى حياة لطلب الحق - فكما أن صوتَك لا تُسمع به الأموات موتًا حسيًا - فصوتك أيضًا في الدعوة والإرشاد لا تُسمع به موتى القلوب، ولا الصم المعرضون المدبرون عن الحق، ولا الذين صار العمى لهم وصفًا، والغيُّ لهم نعتًا، فهؤلاء هم الذين ختم الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، وأولئك هم الغافلون، وهؤلاء هم الذين حق عليهم