فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 116

أحدهما: تجارة ربحها الجنات، وأنواع الكرامات، وصنوف اللذات؛ وهي تجارة الإيمان والجهاد في سبيل الله، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ... } إلى آخر الآيات [الصف: 10، 11] إلى آخر الآيات، فهؤلاء هم الرابحون حقًا، وهم الذين تحققوا بالإيمان ظاهرًا وباطنًا، فاجتهدوا في علوم الإيمان ومعارف الإيمان، في أعماله الباطنة - كمحبة الله ورسوله وخشية الله وخوفه ورجائه - وفي أعماله الظاهرة - كالأعمال البدنية والمالية والمركبة منهما - وجاهدوا أنفسهم على هذا، وجاهدوا أعداء الله بالحجة والبرهان، والسيف والسنان.

وثانيهما: تجارة ربحها الخسران وأصناف الحسرات؛ وهي كل تجارة مُشغِلة عن طاعة الله، ومفوتة لتلك التجارة الرابحة، قال تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [الجمعة:11] وكم في القرآن من مدح تلك التجارة والحث عليها، والثناء على أهلها! ومِن ذم التجارة الأخرى والزجر عنها والذم لأهلها! وأهل التجارة الرابحة إذا اشتغلوا بتجارة المعاش لم تكن قاطعةً لهم عن تجارتهم، بل ربما كانت عونًا لهم عليها إذا أحسنوا فيها النية، وسلموا من المكاسب الردية، وأخذوا منها مقدار الحاجة، قال تعالى: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ} [النور: 37] فلم يقل: إنهم لا يتجرون ولا يبيعون، بل أخبر أنهم لو فعلوا ذلك لم يشغلهم عن المقصود - وهو ذكر الله، وأمهات العبادات - وعطف البيعَ على التجارة - وإن كان البيع داخلًا فيها - لأنه أعظم الأسباب التي تحصل بها التجارة وأنواعُ المكاسب وأبرُكها، والله أعلم.

61.سورة مريم - عليها السلام: قد اشتملت على تفاصيل عظيمة مِن ذكر رحمة الله بأنبيائه وأصفيائه وأحبابه، وما منَّ عليهم به في الدنيا من نِعَم الدين والدنيا، والنعم الظاهرة والباطنة، وما يكرمهم به من الذكر الجميل والثناء الحسن، ووصْفِهم بأحسن أوصافهم، ونَعْتِهم بأشرف نعوتهم، وما يكرمهم به في الآخرة من الثواب والفضل العظيم، وذِكر رحمته أيضًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت