18.لعل من فوائد تأخير ذِكر ذلك القتيل عن ذِكر الأمر بذبح البقرة - في قصة موسى مع بني إسرائيل - لأن السياق سياق ذم لبني إسرائيل، وتعداد ما جرى لهم مما يقرر ذلك، فلو قدم ذكر القتيل على الأمر بذبح البقرة لصارت قصة واحدة، وقضيةً داخلٌ بعضها في ضمن بعض، فَفَصَل هذا من هذا ليتبين ذمهم وسوء فعالهم في القضيتين؛ ولهذا أتى في ابتداء كل منهما بـ (إذ) الدالة على تذكر تلك الحال وتصويرها، فقال: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ... } الآيات [البقرة: 67] ثم قال: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} [البقرة: 72] وليرتب عليه أيضًاَ ما ذكر بعده من قوله: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا} [البقرة: 73] إلى آخر الآيات، والله أعلم.
ويقارب هذا ما ذكر الله في قصة مريم حين أثنى عليها بالنعم الظاهرة والباطنة هي ووالدتها، فذكر حالها وكمالها أوّلًا، وأن الله جعلها في كفالة زكريا لتتربى تربيةً حسنة، وتتأدب وتتعلم، وذكر اجتهادها في ملازمة محرابها، واستجابة دعاء أمها، وأنه تقبلها بقبول حسن، وأنبتها نباتًا حسنًا قبل ذكر اختصام بني إسرائيل فيها، واقتراعهم عليها؛ لينبه تعالى أن هذا مقصود، وهذا مقصود، وأن لها مدحًا وكمالًا في حال اختصامهم عليها، ومدحًا وكمالًا في حال نشأتها وعبادتها، وتيسير الله لها أمورها.
ومن فوائد ذلك: أن تقديم الغايات والمقاصد والنهايات أهم من تقديم الوسائل، فالاختصاص من باب الوسائل، وما ذكر قبله من باب المقاصد، والله أعلم وأحكم.
19.ذِكْرُ الله تعالى مرقّع للخلل, متمم لما فيه نقص, ودليله قوله تعالى - بعدما ذكر صلاة الخوف وما فيها من عدم الطمأنينة ونحوها - قال: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} [النساء: 103] أي: لينجبر نقصكم، وتتم فضائلكم.
ويشبه هذا: أن الكمال هو الاستثناء في قول العبد: إني فاعل ذلك غدًا، فيقول: إن شاء الله، فإذا نسي فقد قال تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} [الكهف: 24] وهذا أعم من كونه يستثني، بل يذكر الله تعالى تكميلًا لما فاته من الكمال، والله أعلم، فعلى هذا