فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 116

17.قوله تعالى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: 131] تضمنت التزهيد في الدنيا، وأن غضارتها [1] وحسنها الذي متع به المترفين ليس لكرامتهم عليه، وإنما ذلك للابتلاء والاختبار؛ لينظر أيهم أحسن عملًا، وأيهم أكمل عقلًا، فإن العاقل هو الذي يؤثر النفيس الباقي على الدني الفاني، ولهذا قال: {وَرِزْقُ رَبِّكَ} أي الذي أعده للطائعين الذين لم يذهبوا مع أهل الإتراف في إترافهم، ولم يغرهم رونق الدنيا وبهجتها الزائلة، بل نظروا إلى باطن ذلك، حين نظر الجهال إلى ظاهرها، وعرفوا المقصود، ومقدار التفاوت، ودرجات الأمور فرزق الله لهؤلاء خير وأبقى، أي أكمل في كل صنف من أصناف الكمال، وهو مع ذلك باق لا يزول.

وأمّا مَا متَّع به أهل الدنيا فزهرة الحياة الدنيا، تمر سريعًا وتذهب جميعًا؛ ولهذا نهى الله رسوله أن يمد عينيه إلى ما متع به هؤلاء، ومد العين: هو التطلع والتشرف لذلك، لا مجرد نظر العين، وإنما هو نظر القلب، ولهذا لم يقل: (ولا تنظر عيناك إلى ما متعنا به أزواجًا ... ) الآية، فمد العين متضمن لاستحسان القلب وتطلعه إلى ذلك، ومثل قوله: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 28] فهذه الآية بينت المراد من تلك الآية، وأن نظر العين [2] المقرون بإرادة زينة الحياة الدنيا، ونظير ذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ * لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر: 87،88] فنبهه الله تعالى على الاغتباط بما آتاه الله من المثاني والقرآن العظيم، وامتن عليه بذلك، وأنه الخير والفضل والرحمة الذي يحق الفرح والسرور به؛ فإن ذلك خير مما يجمع أهل الدنيا ويتمتعون به، وإنما الذين ينظرون ويغبطون هم المؤمنون الذين لم يغتروا بما اغتر به المعرضون؛ فلهذا قال: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} .

(1) الغضارَةُ: طيبُ العيش. ينظر:"الصحاح" (2/ 770) ، مادة (غضر) .

(2) لعلها: وأن نظر العين المنهي عنه هو المقرون ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت