في الرخاء عَرفَه اللهُ في الشدة: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات: 143، 144] ، وقال: {وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء: 88] ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة» [1] ، وقريب من هذا المعنى ما ذكر اللهُ من حال المترفين الرادين لدعوة المرسلين، حيث قال: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} [سبإ: 34] فأخبر أن السبب في ردهم لدعوتهم كونهم مترفين، فدل على أن الترف هو الانغماس في نعيم الدنيا ولذاتها، والانكباب عليها، والتنوُّق [2] في مآكلها ومشاربها ومراكبها، والإسراف في ذلك يحدث في الإنسان خُلقًا خبيثًا يمنعه من سرعة الانقياد لأمر الله، والاستجابة لداعي الله، وكما أنه ثابت واقع في أصل الدين فإنه واقع أيضًا في شرائعه وفروعه؛ فكم منع الترفُ من عبادات! وكم فوّت مِن قربات، وكم كان سببًا للوقوع في المحرمات؛ فإن الترف وكثرة الإرفاه [3] تُصيّر الإنسان شبيهًا بالأنعام التي ليس لها همٌّ إلا التمتع في الأكل والشرب! وكذلك يُرَهِّل [4] البدنَ ويُكسِله ويُثقِله عن الطاعات، ويُشغل القلبَ في مرادات النفس، ومراداتُها كم حملت صاحبها على جمع الأموال من غير حلها! وحملت النفس على الأشر والبطر، والرياء، والفخر والخيلاء، والاستكثار من قرناء السوء!
وفي الجملة: في الترف والسرف مِن المضار أضعافَ أضعافَ ما ذكرنا، فعلى العبد أن يكون مقتصدًا في مأكله ومشربه، وملبسه ومسكنه، وغير ذلك من حوائجه التي لا بد منها، فلا يعلق قلبه إلا بما يحتاجه منها، ولا يستعمل زيادة عن حاجته، ويُعوّد نفسه على ذلك؛ لتتمرن النفسُ على الأخلاق الجميلة ويسلم مِن كثير مِن الآفات والشرور المترتبة على الترف؛ ولهذا لما فُتحت الدنيا على المسلمين أيام عمر رضي الله عنه،
(1) الترمذي ح (2516) ، أحمد ح (2803) ، وقال الترمذي: حديث صحيح.
(2) "تنَوَّقَ في أموره: تجود وبالغ"، ينظر: المحكم والمحيط الأعظم: (6/ 571) .
(3) "الإرْفَاه: التنعُّم والدَّعَة ومُظاهرَةُ الطَّعام على الطَّعام، واللباس على اللِّباس"، ينظر: تهذيب اللغة: (6/ 150) .
(4) رَهِلَ لَحْمُهُ بالكسر: اضْطَرَبَ واسْتَرْخَى وانْتَفَخَ أو وَرِمَ من غيرِ داءٍ. ينظر: القاموس المحيط، ص (1303) .