والأمور الخارجية لطف للعبد، فإذا يسر الله عبده وسهل طريق الخير وأعانه عليه فقد لطف به، وإذا قيض الله له أسبابًا خارجية غير داخلة تحت قدرة العبد، فيها صلاحه فقد لطف له. ولهذا لما تنقلت بيوسف عليه الصلاة والسلام تلك الأحوال، وتطورت به الأطوار من رؤياه وحسد إخوته له وسعيهم في إبعاده جدًا، واختصاصهم بأبيهم، ثم محنته بالنسوة، ثم بالسجن، ثم بالخروج منه بسبب رؤيا الملك العظيمة وانفراده بتعبيرها، وتبوئه من الأرض حيث يشاء، وحصول ما حصل على أبيه من الابتلاء والامتحان، ثم حصل بعد ذلك الاجتماع السار، وإزالة الأكدار وصلاح حالة الجميع، والاجتباء العظيم ليوسف - عرف عليه الصلاة والسلام أن هذه الأشياء وغيرها لطفٌ لطف الله لهم به، فاعترف بهذه النعمة فقال: {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [يوسف: 100] أي: لطفه تعالى خاص لمن يشاء من عباده ممن يعلمه تعالى محلًا لذلك، وأهلا له، فلا يضعه إلا في محله، والله أعلم حيث يضع فضله، فإذا رأيت الله تعالى قد يسر العبد لليسرى وسهل له طريق الخير، وذلل له صعابه وفتح له أبوابه ونهج له طرقه ومهد له أسبابه وجنبه العسرى فقد لطف به، ومن لطفه بعباده المؤمنين أنه يتولاهم بلطفه فيخرجهم من الظلمات إلى النور، من ظلمات الجهل والكفر والبدع والمعاصي إلى نور العلم والإيمان والطاعة.
ومِن لطفه: أنه يرحمهم مِن طاعة أنفسهم الأمارة بالسوء، التي هذا طبعها وديدنها؛ فيوفقهم لنهي النفس عن الهوى، ويصرف عنهم السوءَ والفحشاءَ، فتوجد أسبابُ الفتنة، وجواذبُ المعاصي، وشهواتُ الغَي؛ فيرسل اللهُ عليها برهانَ لطفه، ونورَ إيمانهم الذي مَنّ به عليهم؛ فيَدَعونها مطمئنين لذلك، منشرحة لتركها صدورُهم.
ومِن لطفه بعباده: أنه يُقدّر أرزاقَهم بحسب علمه بمصلحتهم لا بحسب مراداتهم، فقد يريدون شيئًا وغيرُه أصلح؛ فيقدر لهم الأصلح وإن كرهوه؛ لطفًا بهم وبرًا وإحسانًا {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ} [الشورى: 19] ، {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} [الشورى: 27] .
ومِن لطفه بهم: أنه يُقدّر عليهم أنواع المصائب، وضروب المحن والابتلاء بالأمر والنهي الشاق؛ رحمة بهم ولطفًا، وسوقًا إلى كمالِهم وكمالِ نعيمهم: وَعَسَى أَنْ