فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 116

والصبرُ عن المحرمات والمكروهات، بل يدخل في ذلك الصبر على البليات؛ فإن الصبر عليها - وعدم تسخطها، والرضى عن الله بها - من أعظم العبادات الداخلة في قوله: {وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} .

واشتملت على أن الله تعالى كامل الأسماء والصفات، عظيم النعوت جليل القدر، وليس له في ذلك شبيه ولا نظير ولا سَمِي، بل قد تفرد بالكمال المطلق من جميع الوجوه والاعتبارات، وهذا من أكبر الأدلة على أنه الذي لا تنبغي العبادة الظاهرة والباطنة - القلبية والبدنية والمالية - إلا لوجهه الكريم، خالصة مخلصة، كما خلص له الكمال والعظمة، والكبرياء والمجد والجلال.

ومنها: بطلان الشرك عقلًا ونقلًا، فكيف يليق بالعاقل أن يجعل المخلوقَ الناقصَ - الذي لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعًا ولا ضرًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا - ندًا لمن لا كفء له ولا سمي، ولا مشابه بوجه من الوجوه؟! فهل هذا إلا من السفه والضلال، والجهل المفرِط، والضرر من كل الوجوه؟! ودلت على أن الشرك قد تقرر في العقل قبحه، وأن التوحيد قد تقرر في العقل حسنه؛ فكما لا سمي لله، فلا أحسن مِن عبادته وإخلاص العمل له، ولا أنفع للعبد من ذلك، ولا أصلح ولا أزكى.

ومن المتقرر شرعًا: أن الإحسان في عبادة الله تعالى - الذي هو سبب كل خيرٍ عاجلٍ وآجل، بل هو سبب لأعلى المراتب وأكمل الثواب - هو كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» [1] فكلما حقق العبدُ هذا الأمرَ كان له نصيبٌ وافرٌ من العبادة، بل هو أهم الأمور؛ ولهذا أمر النبيُ - صلى الله عليه وسلم - معاذَ بن جبل أن يسأل الله تعالى أن يعينه على ذِكره وشُكره وحُسن عبادته، وهذا أمر يَقِل من الخلق من يحقق ويتصف به على وجه الكمال؛ لمشقة ذلك على النفوس، فإذا امتثل العبدُ لأمر ربه بالاصطبار، ولعبادته وحبْسِ النفسِ وتوطينِها على إحسان العبادة - خصوصًا أفضل العبادات وأعظمها وهي الصلاة؛ كما أمر الله بالاصطبار عليها خصوصًا فقال: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه: 132] - استنار قلبه بالإيمان، وأشرق نور العرفان

(1) البخاري ح (50) ، مسلم ح (8) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت