ومن صفاتهم الحميدة ومناقبهم السديدة: ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرءَ لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر - بعد إذ أنقذه الله منه - كما يكره أن يقذف في النار» [1] ، فجعل تحقيقَ الإيمان ووجودَ حلاوته بكون المحبة لله ولرسوله، وتقديمها على سائر المَحاب، وجعل المحاب تبعًا لها، فيحب المرءَ لما قام به واتصف به من محاب الله، وما منّ اللهُ به من الأخلاق الفاضلة، فكلما قويت فيه ازدادت محبته له، فتكون محبةُ المؤمن دائرةً مع محبة الله، فيحب اللهَ ورسولَه ويحب من يحبه من الأعمال والأشخاص، وتكون كراهته للكفر المضاد للإيمان أعظمَ من كراهته للنار التي سيقذف فيها. ومثل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا» [2] ، وقد تقدم [3] قولُ هرقل الذي في صحيح البخاري: وسألتُك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرتَ أنهم يزيدون، وكذلك أمْرُ الإيمان حتى يتم، وسألتُك: أيرتد أحدٌ سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرتَ: أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشتُه القلوب [4] ، وقال صلى الله عليه وسلم: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من يتبع عورة أخيه يتبع الله عورتَه ومن يتبع اللهُ عورتَه يفضحه ولو في جوف بيته» [5] .
ومن علاماتهم: أن الله قد شرح صدورهم للإسلام؛ فانقادوا لشرائعه طوعًا واختيارًا ومحبة، قد اطمأنتْ لذلك نفوسُهم، وصاروا على بيّنةٍ من أمرهم، فهم يمشون بنورهم
(1) البخاري ح (16) ، مسلم ح (43) .
(2) مسلم ح (34) .
(3) لم أجده في النسخة التي بين يدي، فلعله سقط منها، أو أن الشيخ ـ رحمه الله ـ كان حديث عهد بحديث هرقل في موضع آخر من أحد كتبه الأخرى، فظن أنه في هذا الكتاب فأحال عليه، والله أعلم.
(4) البخاري ح (7) ، مسلم ح (1773) .
(5) أبو داود ح (4880) ، الترمذي ح (2032) من حديث أبي برزة - رضي الله عنه -، وقال الترمذي:"هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث حسين بن واقد"، وجوّد إسناده العراقي في"المغني"، ص (661) ، وحسن إسناده المنذري في"الترغيب"ح (3529) من حديث البراء - رضي الله عنه -.