فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 116

إلى غيرك لعلمنا أنه لا يكشف السوء ولا يجيب المضطر إلا أنت، ورجعنا إليك في عباداتنا الظاهرة والباطنة.

ومن ذلك: دعاء أصحاب الكهف إذ فروا إلى الله بدينهم فقالوا ملتجئين إليه: {رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} [الكهف: 10] فتضرعوا إليه في أن يؤتيهم من لدنه رحمة بحيث إذا حلت عليهم سلّم لهم دينهم، وحفظهم من الفتن، وأنالهم بها الخير، وأن يهيئ لهم من أمرهم رشدًا أي: ييسرهم لليسرى، ويسهل لهم الأمور، ويرشدهم إلى أرفق الأحوال؛ فاستجاب لهم هذا الدعاء، ونشر عليهم رحمته، وحفظ أديانهم وأبدانهم، وجعل فيهم بركة على أنفسهم وعلى غيرهم.

ومن ذلك: دعاء حملة العرش ومن حوله من الملائكة المقربين، حين دعوا للمؤمنين: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [غافر: 7 - 9] وهذا دعاء جامع، وتوسُّلٌ نافع، فتوسلوا بربوبية الله تعالى، وسعة علمه ورحمته المتضمن علمَه بحال المؤمنين، وما خلقهم عليه من الضعف، ورحمتَه إياهم - لكونه جعل الإيمان أعظم وسيلة تنال بها رحمته - أن يغفر للمؤمنين الملتزمين للإيمان، وهم الذين تابوا مما يكرهه الله، واتبعوا سبيله بالتزام ما يحبه ويرضاه، فيغفر ذنوبهم، ويقيهم أشد العذاب وهو عذاب الجحيم، وأن يُنيلهم أعظمَ الثواب - وهو دخول جنات عدن التي وعدهم على ألسنة رسله - وتمام ذلك: أن يُقِرّ أعينَهم باجتماعهم بآبائهم وأزواجهم وذرياتهم الصالحين، ثم توسلوا بكمال عزة الله وكمال حكمته؛ لأن المقام يناسب هذا، فمن كمال عزته واقتداره: أن يحفظهم ويحول بينهم وبين السيئات، ويصرف عنهم السيئات، وينيلهم أنواع المثوبات، ومن كمال حكمته أن الموصوفين بتلك الصفات هم أهل لأن يغفر لهم ويرحمهم، ويدفع عنهم السوء وينيلهم الأجر، ولما دعوا أن يغفر لهم السيئات التي فعلوها؛ دعوا اللهَ أن يقيهم سيئات أنفسهم الأمارة بالسوء، بأن يحبب إليهم الإيمان ويزينه في قلوبهم، ويُكرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، ويجعلهم من الراشدين، وأن مِن لازم وقاية السيئات حصول رحمة الله، وهذا دعاءٌ عظيم صادر من أعظم الخلق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت