فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 116

ومن ذلك: الأدعية التي أمر الله بها رسوله وعباده المؤمنين فقال: {وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} [المؤمنون: 118] فهذا توسل إلى الله بربوبيته ورحمته الواسعة في حصول الخير، ودفع الشر كله، وهي المغفرة التي تندفع بها المكروهات، والرحمة التي تحصل بها جميع المحبوبات.

وكذلك قوله: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} [الإسراء: 80] فهذا توسَّلَ إلى الله بربوبيته أن تكون مداخل العبد ومخارجه كلها صدقًا، وذلك أن تكون صالحة خالصة لوجه الله، مقرونةً بالاستعانة بالله والتوكل عليه، وذلك يستلزم أن تكون حركاتُ العبد كلُّها - ظاهرها وباطنها - طاعة لله وعملًا بما يحبه ويرضاه، وهذا هو الكمال من جهة العمل، وأما الكمال من جهة العلم: فإنه يجعل اللهُ له سلطانًا نصيرًا، أي حجة ظاهرة ناصرة، وقوة يحصل بها نصر الحق وقمع الباطل، فيحصل باستجابة هذا الدعاء: العلمُ النافع والعملُ الصالح، والتمكين في الأرض.

وقال تعالى لرسوله: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] فالعلم أجلّ الأشياء، وبه تعرف جميع الأشياء، فسؤاله وسؤال الزيادة منه من أفضل ما سأل السائلون.

ومن أجمع الأدعية وأحسنها توسلًا: دعاء موسى عليه السلام حين تضرع إلى ربه فقال: {أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ * وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [الأعراف: 155، 156] فتوسل إلى وليّه بولايته لعبده، وحسن تدبيره وتربيته ولطفه، على حصول المغفرة والرحمة، وكذلك توسل بكمال مغفرة الله وسعة جوده على هذا، ورتب على هذا حصولَ حسنة الدنيا والآخرة؛ فإنه إذا حصلت المغفرة زالت الشرورُ كلُّها، والعذابُ كله، وإذا حصلت الرحمة حل الخير وحسناتُ الدنيا والآخرة، فيكون قوله: {وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ} نظير قوله: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً} [البقرة: 201] مع زيادة التوسل بولاية الله، وكمال غفرانه، ومع طلب مغفرته ورحمته اللذين بهما تنال حسنة الدنيا والآخرة، ثم ختم دعاءه بالتوسل إلى ربه بالإقبال إليه، والإنابة إليه والتذلل، لعظمته فقال: {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} أي رجعنا إليك في مهماتنا وأمورنا، لا نرجع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت