فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 116

أو بترك مأمور - وذلك موجبٌ للشر والعقوبة إن لم يغفره الله ويزله؛ قالوا: {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا} فبهذه الأمور تندفع المكروهاتُ والشرورُ كلُّها، ثم سألوا الله بعد ذلك الرحمةَ التي ينشأ عنها كلُّ خير في الدنيا والآخرة، ولما كان أمر الدين والتمكين - مِن فعل الخير وترك الشر - لا يحصل ولا يتم إلا بولاية الله وتولّيه، ونصرته على الأعداء الكافرين - من الشيطان وجنوده - قالوا: {أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} قال تعالى:"قد فعلت"، فالله تعالى يتولى عبده، وييسره لليُسرى في جميع الأمور؛ فيدفع عنه الشرور، فهو نِعم المولى ونِعم النصير.

ومن هذا: دعاء الراسخين في العلم بعد الثناء عليهم بالإيمان التام: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 8] فسألوا ربهم وتوسلوا بربوبيته في حصول أفضل الوسائل؛ وهو استقامة القلوب على ما يحبه الله ويرضاه، والثبات على ذلك، وعدم زيغها عن هذه الهداية، وأجلِّ المقاصد، وهو حصول رحمة الله تعالى التي يحصل معها خير الدنيا والآخرة، وختموا دعاءهم بالتوسل إلى ربهم باسمه الوهاب أي كثير العطايا، واسع الكرم: فمن كرمك يا وهاب نسألك الاستقامة وعدم زيغ القلوب، وأن تهب لنا من لدنك رحمة؛ لأن الرحمة التي من لدنه لا يُقدّر قدرها، ولا يعلم ما فيها من البركات والخيرات إلا الذي وهبهم إياها، ويشبه أن يكون قولهم: {رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 9] توسلًا إلى ربهم بإيمانهم بهذا اليوم، وتصديق ربهم في وعده ووعيده، فإن التوسل إلى الله بالإيمان ومنّة الله به من الوسائل المطلوبة؛ فيكون هذا من تمام دعائهم.

كذلك: دعاء المتقين الذين أعد لهم الجنة وما فيها الذين يقولون: {رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 16] فتوسلوا بربوبية الله لهم وبإيمانهم أن يغفر لهم الذنوب وأن يقيهم عذاب النار، وإذ غُفرت ذنوبهم ووقاهم الله عذاب النار زال عنهم الشر بأجمَعه، وحصل لهم الخير بأجمَعه؛ لأن الأدعية هكذا تارة تأتي مطابقة لجميع مطالب العبد، وتارة يُذكر نوعٌ منها ويدخل الباقي باللزوم، كهذا الدعاء.

ومما أتى فيه الدعاء بجميع المطالب على وجه المطابقة: دعاء أولي الألباب وخواص الخلق حيث قالوا - بعدما تفكروا بما في ملكوت الله: رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت