أَنْصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ [آل عمران: 191 - 194] فتوسلوا بربوبية الله، وكرروا هذا التوسل، وإقرارهم بحكمة الله وصدق وعده ووعيده، وإيمانِهم برسل الله حين دعوهم إلى الإيمان، ومِنّة الله عليهم بالمبادرة بذلك أن يَقيْهم عذابَ النار، وأن يغفر ذنوبهم الكبار، ويُكفّر عنهم سيئاتهم الصغار؛ فيدفع عنهم أعظم العقوبات - وهو عذاب النار - ويزيل عنهم أسبابَ الشرور كلَّها، وهي الذنوب والسيئات، وأن يرزقهم اللهُ ويوفقهم لأعمال البِر كلِّها؛ فيصيروا بذلك من عباد الله الأبرار، وأن يثبتهم عليها حتى يموتوا عليها؛ فيدخلوا في معية الأبرار، وأن يؤتيَهم ما وعدهم على ألْسِنة رسله وذلك شامل لعطايا الدنيا وخيراتها وعطايا الآخرة وكراماتها، وأن يكرمهم في يوم القيامة ولا يخزهم، وحقيقٌ بقوم دعوا بهذه الأدعية الجليلة - بحيث ما بقي خير إلا سألوه ولا شر إلا استدفعوه - أن يسميهم الله أولي الألباب؛ فهذا من لبهم وعقلهم وتمام فطنتهم، نسأله تعالى أن يوفقنا لما وفقهم له، إنه جوادٌ كريم.
وِمن ذلك: دعاء أتباع الأنبياء في مواطن الشدائد وأنواع المحن: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 147، 148] فدل هذا على الدعاء من الدعاء الذي استجابه الله، وأن أهله محسنون فيه، وذلك أنهم توسلوا إلى الله بربوبيته، فافتقروا إليه وطلبوا أن يرُبَّهم بما يُصلِح أحوالهم، وأن يغفر لهم الذنوب - وهي المعاصي المستقلة - وإسرافنا في أمرنا - وهي تعدي ما حد للعبد ونهي عن مجاوزته - فكما أن التقصير يلام عليه الإنسان فكذلك المجاوزة للحد، وأن يثبت أقدامهم فيرزقهم الصبرَ والثباتَ، والقوةَ التي هي مادة النصر، وأن يُمِدهم بمَدَدَه الإلهي وهو نصره على القوم الكافرين، فسألوا ربَّهم زوالَ المانع من النصر - وهي الذنوب والإسراف - وحصولَ سببِ النصر وهو نوعان: سبب داخلي، وهو ثباتُ الأقدام والصبر عند الإقدام، وسبب خارجي: وهو نصره، ويشبه أن يكون قولهم: {عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} توسلًا إلى الله، وأننا يا ربنا آمنا بك واتبعنا رسلك، وحاربنا أعداءك الذين كفروا بك وبرسلك، فمعاداتُنا لهم وقتالُنا إياهم لأجلك