الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: 201] فصدَّروا دعاءهم بقولهم: {رَبَّنَا} وذلك متضمن لاستحضارهم معنى تربية الله العامة، وهو الخلق والتدبير، وإيصال ما به تستقيم الأبدان، والتربيةِ الخاصة لخيار خلقه، الذين رباهم بلطفه وأصلح لهم دينهم ودنياهم، وتولّاهم فأخرجهم من الظلمات إلى النور، وهذا متضمنٌ لافتقارهم إلى ربهم، وأنهم لا يقدرون على تربية نفوسهم من كل وجه، فليس لهم غير ربهم يتولاهم ويصلح أمورهم، ولهذا كانت أغلب أدعية القرآن مصدرة بالتوسل إلى الله بربوبيته؛ لأنها أعظم الوسائل على الإطلاق التي تحصل بها المحبوبات وتندفع بها المكروهات، وحسنة الدنيا: اسم جامع للعلم النافع والعمل الصالح، وراحة القلب والجسم، والرزق الحلال الطيب - من كل مأكلٍ ومشربٍ وملبسٍ ومنكحٍ ومسكنٍ، ونحوِها - فهي اسمٌ جامعٌ لحُسن الأحوال، وسلامتها من كل نقص، وأما حَسَنة الآخرة: فهي كل ما أعده الله لأوليائه في دار كرامته مما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خَطَر على قلبِ بَشر، ولما كانت حسنة الدنيا والآخرة تمامها وكمالها الحفظ من عذاب النار، والحفظ من أسبابه - وهو الذنوب والمعاصي - قالوا: {وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} فاشتمل هذا الدعاء على كل خيرٍ ومطلوبٍ محمود، ودفع كل شرٍ وعذاب، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بهذا الدعاء كثيرًا.
ومن ذلك: الدعاء الذي في آخر"البقرة"الذي أخبر اللهُ على لسانِ رسوله أنه قَبِلَه مِن المؤمنين حين دَعوا به: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 286] ولما كان إخلال العبد بأمر الله قد يكون عمدًا على وجه العلم، وقد يكون نسيانًا وخطأ، وكان هذا القسمُ غيرَ ناشئٍ عن عمل القلب الذي هو محل الإثم وعدمه؛ سألوا ربهم أن لا يؤاخذهم بالنسيان والخطأ، وذلك عامٌّ في جميع الأمور، قال الله تعالى:"قد فعلتُ"ولما كانت بعض الأفعال فيها شدة ومشقة وآصار وأغلال، لو كُلِّف العباد بها لأحرى أن لا يقوموا بها؛ سألوا الله تعالى ألا يحملهم إياها، ولا يكلفهم بما لا طاقة لهم به؛ ليسهل عليهم أمرُ ربهم، وتخف عليهم شرائعه الظاهرة، فقال الله تعالى:"قد فعلت"، ولما كانت أيضًا الشرائع التي شرعها الله لعباده لا بد أن يحصل منهم التقصير فيها - إما بفعل محظور،