(موعظة)
اجلس ساعةَ في بيت الفكر وصِحْ على نفسك بصوت اللوم أما أتعبتَ الرواحل في أسفار الجهالة، أمّا أخذ الفراقُ حظّه من يعقوب، أأبقى السقام موضعاَ في جسم أيّوب، فإذا سجنّ الليل فعلق على قطار المتهجدين، وزاحم زمرة المستغفرين، فإن هتف لسانُ العتاب اطلتَ الغيبة عَنّا فَقل بلسان التذلل:
ما كنتُ أعرفُ ما مقدار وصلكُمْ ... حتى هجرتَ وبعضُ الهجر تأديبُ
ثم أرسل منشدُ البكاءِ فَسُمع القيولُ يستطيب تلك النغمة وليكن في بسيط الغناء:
مضى زمنٌ والناسُ يَسْتَشْفِعُونَ بي ... فهل لي إلِى ليلى الغداةَ شفيعُ.
واجعل في الثقيل:
فَلَيْتَكَ تَخلُو والحياةُ مريرةُ ... ولَيْتَكَ تَرّضَى والأَنامُ غِضابُ
وليتَ الَذي بيني وبَيْنَكَ عامرٌ ... وبَيْني وبينَ العالمين خَرابُ
وأنشد متململاً:
قُلْ للمدامع بعد الحيِّ تنسكبُ ... فذاك أَيْسَرُ ما في حُبِّهم يَجِبُ
اُحِبُّ باناتِ سَلْع والمقيم بها ... وفي فؤاديَ من هجرانهم لَهَبُ
غبتم فما سَرَّني من بَعْدِ فُرقتكم ... شيءٌ ولا طاب لي من بعدكم طَرَبُ
لا تعجبوا من مماتي بعد بينهمُ ... شوقاً فإنّ حياتي بعدهم عَجَبُ
هم أهل ودي وإن صدوا وإن هجروا ... وغايتي إن رضوا عنّي وانْ غضبوا
دَعْهُم يجوروا فما للصَّبَ من أَحَدٍ ... يُنجيه منهم إليه منهمُ الهَربُ
فهم أحبة قلبي لا عدمتُهُمُ ... ما دمتُ حَيّاً وإن بانوا وإن قربوا
وكان لي سَبَبٌ أرجو الصلات به ... فانقضى حين ولّوا ذلك السَّبَبُ
يا ساكني رامةً ما إنْ ذكرتكمُ ... إلاّ جَرَتْ أدمعي في الخَدِّ تنسكبُ
وبعدُ: فابك بكاء مهجور، ونُحْ نواح مأسور، وقل:"تلذّ عيني وقلبي منكَ في أَلمِ".
فإن لم تَرَ للقبول أثراً فَصِحْ في الوادي:
تلك نجد فأين سُكّانُ نجدٍ ... أترى يعرفون بعدي بعهدي
أم نسوني إذ فارلموني ملالاً ... وإبلائي أنا المُعَنّى بوجدي
هيَ لي قِبْلَة فلا تمنعوني ... أنْ أؤدي فيها فريضةَ وردي
(فصل)
كيف يصلح في شرع المِحبة نومٌ بعد ترغيب، هل من سائلٍ فأعطيه:
يا مَنْ لحشا المحبَ بالشوق حَشا ... ذا سِرُّ سُراك في الدجى فكيف فَشا
هذا المولى إلى المماليك مشى ... لا كان عشاءَ أؤرَثَ القلبَ عشا
وا توبيخ كذب من ادّعى محبتي فإذا جَنَهُ الليلُ نام عني.
فقلتُ لها: بَخِلْتِ عليَّ يقظَى ... فَجُودي في المنام لِمُسْتَهامِ
فقالت لي: وَصِرْتَ تنامُ أيضاً ... وَتطمَعُ أن تراني في المنام؟!
لولا مكابدة السَهَر لم يَقلَّ المجتهد:
سَلُوا الليلَ عنّي مُذ تناءتْ دياركُم ... هل اكتحلتْ بالغمضِ لي فيه أجفانُ
إنْ لم يكن لك مركبٌ فاجلس على دكة الاستغفار عساك تُدركُ عسكرَ الليل قبل العتمة فيسهم لك مع القوم.
تعرَّض نسيماَ هَبَ من أرض"نُعمانِ"... لِيَحيا به ما مات من قلب هيمانِ
وقِف عن يمين الدوح من جانب الحمى ... وقوف ذليل مدنفٍ نائمِ عاني
ونادِ سلام الله يا بانة الحمى ... عليك ومن لي بالسلام على البانِ
يا من عاملناه مدة ثم قطع، وسار في محجة مجتناي ثم رجع:
رعى اللهُ الديارَ"بذاتِ سَلْعٍ"... فكم من معهدٍ فيها ومغنى
واحسرتا! كيف قُرِّبوا وأبعِدْنا،.
وا أسفاَ كيف دنوا وطُردنا، أين لَذَعات الوجد؟ أينَ حرقات الفراق؟ أين تلهف الزفرات؟ أين شدة الحسرات؟.
ألا يا نسيم الريح من أرض بابلٍ ... تحمّل إلى أهل الحبيب سلامي
وإنّي لأهوى أن أكون بأرضهم ... على أنّني منها استفدتُ غرامي؟!
إذا رَمِدَتْ عيني تداويت منكمُ ... بلفظة حسًّ أو بسمع كلامِ
وانْ لم أجد ماءَ تَيَمَمْتُ باسمكم ... فَصَلَّيْتُ فرضي والديارُ أمامي
استعملت زوجة محمد بن واسع لبَداً تجري عليها دموعه، لأنّ الدموع كانت أكلت، خدّيه حتى بدت أضراسُهْ إذا رأيتم باكياً فارحموه، وإذا شاهدتم واجداً فاعذروه، فإنه قد وجد ما لم تجدوهْ.
مالي سوى قلبي وفيكَ أَذَبْتُهُ ... مالي سوى دمعي وفيك بكيتُهُ
ما كنتُ أعرفُ ما الغرام ولا الأَسى ... والشوق والتبريح حتى ذُقْتُهُ
لو أنّ عندي والدموعُ سواجمٌ ... رمل القفار من الدموع بللتُه
اجتاز رجلٌ صالح بدار صالح المُريّ، فسالَ عليه ماء من ميزاب، فتوقف الرجل يسأل عن الماء، فخرجت إليه الجارية فقال لها: طاهر أم غير طاهر؟ فبكت وقالت يا سيّدي هذه دموع صالح المُريّ.
هاكُمُ قلبي فإن لم يرضكم ... ففؤادي جهدُ ما يمكنني
يا حمامات اللوى نوحي معي ... يا غرابَ البين ابكِ شجني