وأما شرب الخمر، فإنه من أكبر الكبائر، وقد ورد عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يقول:"من شرب من الخمر شربة لم تقبل منه صلاة سبعة أيام، ولم يقبل منه صيام" [2] .
واعلم أن في شربها عشرة خصال مذمومة:
أولها: أنها تذهب في عقل شاربها حتى يصير مضحكة للصبيان، ومهزأة كما روي عن ابن أبي الدنيا أنه قال: رأيت سكران يبول ويمسح وجهه ببوله، وهو يقول: اللهم اجعلني من التوّابين، واجعلني من المتطهرين.
ورأى سكران قد تقيأ والكلب يلحس فاه، والسكران يقول: أكرمك الله يا سيدي كرامة أوليائه.
والثانية: أنها تتلف المال وتفسده، وتعقب الفقر، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: اللهم أرنا في الخمر فإنها متلفة للمال مذهبة للعقل [3] .
والثالثة: أنها توقع العداوة والبغضاء. قال الله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [سورة المائدة 91. ويريد: انتهوا عنهما. قال عمر: انتهيت يا رب، انتهيت.
والرابعة: يحرم صاحبها لذة الطعام وصواب الكلام.
والخامسة: أنه تحرم عليه زوجته، فتكون معه على الزنى، وذلك أن أكثر كلامه بالطلاق، فربما حنث ولم يشعر، فيكون معها زانيا، فإنه روي عن بعض الصحابة رضي الله عنهم: من أنكح كريمته شارب الخمر، فقد ساقه للزنى.
والسادسة: أنها مفتاح كل شر توقعه في جميع المعاصي، كما روي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال في خطبته: أيها الناس، اتقوا شرب الخمر، فإنها أم الخبائث.
والسابعة: أنها تؤذي حفظته بإدخالها في مجلس الفسوق والفجور والروائح الكريهة.
والثامنة: أنه أوجب على نفسه الحد ثمانين جلدة، فإن لم يضربها في الدنيا ضرب في الآخرة على رؤوس الأشهاد.
والتاسعة: أنها تسدّ دونه أبواب السماء، فلا يرفع له عمل ولا دعاء أربعين يوما.
والعاشرة: أنه خاطر بنفسه وبدينه، فيخاف عليه أن ينزع منه الإيمان عند الموت.
كما روي عن بعضهم أنه قال: رأيت إنسانا يجود بنفسه عند الموت وهو يقال له: قل لا إله إلا الله، فكان يقول: اشرب واسقني. وذكر عن عبد الله بن مسعود أنه قال: إذا مات العبد المخمور، فادفنوه واحبسوني، واحفروا عليه، فإن لم تجدوا وجهه مصروفا عن القبلة، وإلا اضربوا عنقي.
فهذه عقوبته في الدنيا، وأما عقوبته في الآخرة، فإنها لا تحصى من شرب الحميم والزقوم وعصارة أهل النار في النار، إلى غير ذلك من العذاب والنكال. أعاذنا الله منه.
(1) رواه الحاكم وصححه، وكذلك الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب.
(2) ابن ماجه 3377، وصححه الحاكم.
(3) سنن أبي داود 3670، الترمذي 3049.