وَيَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ الْحَجَّ أَنْ يَفْهَمَ مَعْنَى الْحَجِّ، فَإِنَّهُ يُشَارُ بِهِ إِلَى التَّجَرُّدِ للَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمُفَارَقَةِ الْمَحْبُوبَاتِ.
وَلْيَتَذَكَّرْ بِأَهْوَالِ الطَّرِيقِ الأَهْوَالَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَفِي الْقِيَامَةِ، وَبِالإِحْرَامِ الْكَفَنَ، وَبِالتَّلْبِيَةِ إِجَابَةَ الدَّاعِي، وَلْيُحْضِرْ قَلْبَهُ لِتَعْظِيمِ الْبَيْتِ، وَلْيَتَذَكَّرْ بِالالْتِجَاءِ إِلَيْهِ الْتِجَاءَ الْمُذْنِبِ، وَبِالطَّوَافِ الطَّوَافَ حَوْلَ دَارِ السَّيِّدِ لِيَرْضَى، وَبِالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ التَّرَدُّدَ إِلَى فِنَاءِ الدَّارِ، وَبِرَمْيِ الْجِمَارِ رَمْيَ الْعَدُوِّ.
وَكَمَا أَنَّ لِلأَبْدَانِ حَجًّا فَلِلْقُلُوبِ حَجٌّ؛ فَإِنَّهَا تَنَهْضُ بِأَقْدَامِ الْعَزَائِمِ وَتَمْتَطِي غَوَارِبَ الشَّوْقِ، وَتُفَارِقُ كُلَّ مَحْبُوبٍ لِلنَّفْسِ، وَتُصَابِرُ فِي الطَّرِيقِ شِدَّةَ الْجَهْدِ، وَتَرِدُ مَنَاهِلَ الْوَفَاءِ لا غُدْرَانَ الْغَدْرِ، فَإِذَا وَصَلَتْ إِلَى مِيقَاتِ الْوَصْلِ نَزَعَتْ مَخِيطَ الآمَالِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَاغْتَسَلَتْ مِنْ عَيْنِ الْعَيْنِ، وَنَزَلَتْ بِعَرَفَاتِ الْعِرْفَانِ، وَلَبَّتْ إِذْ لَبَّتْ مِنْ لُبَابِ اللُّبِّ، ثُمَّ طَافَتْ حَوْلَ الإِجْلالِ، وَسَعَتْ بَيْنَ صَفَا الصَّفَا وَمَرْوَةِ الْمُرُوءَةِ، فَرَمَتْ جِمَارَ الْهَوَى بِأَحْجَارٍ، فَوَصَلَتْ إِلَى قُرْبِ الْحَبِيبِ فَلَوْ تَرَنَّمَتْ بِشَرْحِ حَالِهَا لَقَالَتْ:
(لا وَالَّذِي قَصَدَ الْحَجِيجُ لِبَيْتِهِ ... مِنْ بَيْنِ نَاءٍ طَارِقٍ وَقَرِيبِ)
(وَالْحِجْرِ وَالْحَجَرِ الْمُقَبَّلِ تَلْتَقِي ... فِيهِ الشِّفَاهُ وَرُكْنِهِ الْمَحْجُوبِ)
(لا كَانَ مَوْضِعُكَ الَّذِي مَلَّكْتَهُ ... مِنْ قَلْبِ عَبْدِكَ بَعْدَ ذَا لِحَبِيبِ)
(لِي أَنَّةُ الشَّاكي إِذَا بَعُدَ الْمَدَى ... مَا بَيْنَنَا وَتَنَفُّسُ الْمَكْرُوبِ)
وَلَمَّا عَبَرَ الْخَلِيلُ هَذِهِ الْحَالَةَ قِيلَ لَهُ: قد بقي عيك ذِبْحٌ يُجَانِسُ هَذَا الْحَجَّ لَيْسَ لَهُ إِلا الْوَلَدُ وَمَا الْمُرَادُ إِرَاقَةُ دَمِهِ بَلْ فَرَاغُ قَلْبِكَ عَنْهُ، يَا خَلِيلِي مِنَ الْمَسْنُونِ اسْتِسْمَانُ الإِبِلِ وَأَلا يَكُونَ فِي الْمَذْبُوحِ عَيْبٌ، فَاخْتَبِرْ ذِبْحَكَ هَلْ فِيهِ عَيْبٌ أَوْ هُوَ سَلِيمٌ مُسَلَّمٌ؟ فَقَالَ لَهُ: {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أني أذبحك} فأجابه: {افعل ما تؤمر} فَعُلِمَ حُصُولُ الْكَمَالِ وَعَدَمُ الْعُيُوبِ ثُمَّ قَالَ لَهُ: اسْتَحِدَّ مُدْيَتَكَ وَأَسْرِعْ مَرَّ السِّكِّينِ عَلَى حَلْقِي
وَإِذَا عُدْتَ إِلَى أُمِّي فَسَلِّمْ عَلَيْهَا عَنِّي. هَذَا قَوْلُ مَنْ لَمْ يُلِمَّ بِقَلْبِهِ خَوْفُ أَلَمٍ!
(مِحْنَتِي فِيكَ أَنَّنِي ... لا أُبَالِي بِمِحْنَتِي)
(يَا شِفَائِي مِنَ السِّقَامِ ... وَإِنْ كُنْتَ عِلَّتِي)
وَإِذَا وَصَلَ الْحَاجُّ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ فيجعل على فكره تعظيم من يقصده، وَلْيَتَخَايَلْ فِي مَسَاجِدِهَا وَطُرُقَاتِهَا نَقْلَ أَقْدَامِ الْمُصْطَفَى هُنَاكَ وَأَصْحَابِهِ، وَلْيَتَأَدَّبْ فِي الْوُقُوفِ وَلْيَسْتَشْفِعْ بِالْحَبِيبِ وَلْيَأْسَفْ إِذْ لَمْ يَحْظَ بِرُؤْيَتِهِ وَلَمْ يَكُنْ فِي صَحَابَتِهِ.
(وَمَا رُمْتُ مِنْ بُعْدِ الأَحِبَّةِ سَلْوَةً ... وَلَكِنَّنِي لِلنَّائِبَاتِ حَمُولُ)
(وَمَا شَرَقِي بِالْمَاءِ إِلا تَذَكُّرًا ... لِمَاءٍ بِهِ أَهْلُ الْحَبِيبِ نُزُولُ)
وَيَنْبَغِي لِمَنْ عَادَ مِنَ الْحَجِّ أَنْ يَقْوَى رَجَاؤُهُ لِلْقَبُولِ وَمَحْوِ مَا سَلَفَ، وَلْيَحْذَرْ مِنْ تَجْدِيدِ زَلَلٍ.
وَقَدْ سُئِلَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: مَا الْحَجُّ الْمَبْرُورُ؟ فَقَالَ: أَنْ تَعُودَ زَاهِدًا: فِي الدُّنْيَا رَاغِبًا فِي الآخِرَةِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ بِسَنَدِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ: سَمِعْتُ بَعْضَ مَشَايِخِنَا يَقُولُ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمُوَفَّقِ: لَمَّا تَمَّ لِي سِتُّونَ حِجَّةً خَرَجْتُ مِنَ الطَّوَافِ وَجَلَسْتُ بِحِذَاءِ الْمِيزَابِ وَجَعَلْتُ أُفَكِّرُ لا أَدْرِي أَيُّ شَيْءٍ حَالِي عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَقَدْ كَثُرَ تَوَدُّدِي إِلَى هَذَا الْمَكَانِ؟ فَغَلَبَتْنِي عَيْنِي فَكَأَنَّ قَائِلا يَقُولُ لِي: يَا عَلِيُّ أَتَدْعُو إِلَى بَيْتِكَ إِلا مَنْ تُحِبُّهُ؟ قَالَ: فَانْتَبَهْتُ وَقَدْ سُرِّيَ عني ما كُنْتُ فِيهِ.
وأنشدوا:
(غَفَلْتُ وَلَيْسَ الْمَوْتُ فِي غَفْلَةٍ عَنِّي ... وَمَا أَحَدٌ يَجْنِي عَلَيَّ كَمَا أَجْنِي)
(أُشَيِّدُ بُنْيَانِي وَأَعْلَمُ أَنَّنِي ... أَزُولُ، لِمَنْ شَيَّدْتُهُ وَلِمَنْ أَبْنِي)
(كَفَانِي بِالْمَوْتِ الْمُنَغِّصِ وَاعِظًا ... بِمَا أَبْصَرَتْ عَيْنِي وَمَا سَمِعَتْ أُذُنِي)
(وَكَمْ لِلْمَنَايَا مِنْ فُنُونٍ كَثِيرَةٍ ... تُمِيتُ وَقَدْ وُطِّنَتْ نَفْسِي عَلَى فَنِّ)
(وَلَوْ طَرَقَتْ مَا اسْتَأْذَنَتْ مَنْ يُحِبُّنِي ... كَمَا أَفْقَدَتْنِي مَنْ أُحِبُّ بِلا إِذْنِ)
(وَقَدْ كُنْتُ أُفْدِي نَاظِرَيْهِ مِنَ الْقَذَى ... فَغَطَّيْتُ مَا قَدْ كُنْتُ أُفْدِيهِ بِالْعَيْنِ)
(سَتَسْجِنَنِي يَا رَبِّ فِي الْقَبْرِ بُرْهَةً ... فَلا تَجْعَلِ النِّيرَانَ مِنْ بَعْدِهِ سِجْنِي)
(وَلِي عِنْدَ رَبِّي سَيِّئَاتٌ كَثِيرَةٌ ... وَلَكِنَّنِي عَبْدٌ بِهِ حُسْنُ الظَّنِّ)
مَنْ لِلْعَاصِي إِذَا دُعِيَ فَحَضَرَ، وَنُشِرَ كِتَابُهُ وَنَظَرَ، لَمْ يُسْمَعْ عُذْرُهُ وَقَدِ اعْتَذَرَ، وَنَاقَشَهُ الْمَوْلَى فَمَا غَفَرَ، آهٍ لِرَاحِلٍ لَمْ يَتَزَوَّدْ لِلسَّفَرِ، وَلِخَاسِرٍ إِذَا رَبِحَ الْمُتَّقُونَ افْتَقَرَ وَلِمَحْرُومٍ جَنَّةَ الْفِرْدَوْسِ حَلَّ فِي سَقَرٍ، وَلِفَاجِرٍ فَضَحَهُ فُجُورُهُ فَاشْتَهَرَ، وَلِمُتَكَبِّرٍ بِالذُّلِّ بَيْنَ الْكُلِّ قَدْ ظَهَرَ، وَإِلَى مَحْمُولٍ إِلَى جَهَنَّمَ فَلا مَلْجَأَ لَهُ وَلا وَزَرَ، آهٍ مِنْ يَوْمٍ تُكَوَّرُ فِيهِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، يَا كَثِيرَ الرِّيَاءِ قُلْ إِلَى مَتَى تَخْلُصُ، يَا نَاسِيَ الأَنْكَالِ إِنْ كَالَ فَمُتَلَصِّصٌ، مَا يَتَخَلَّصُ مِنْ مُعَامِلٍ وَلا هُوَ عِنْدَ اللَّهِ مُخْلِصٌ، الدَّهْرُ حَرِيصٌ عَلَى قَتْلِكَ يَا مَنْ يَحْرِصُ، تَفَكَّرْ فِيمَنْ أَصْبَحَ مَسْرُورًا فَأَمْسَى وَهُوَ مُتَنَغِّصٌ، وَمَتَى أَرَدْتَ لَذَّةً فَاذْكُرْ قَبْلَهَا الْمُنَغِّصَ، وَتَعَلَّمْ أَنَّ الْهَوَى ظِلٌّ وَالظِّلُّ مُتَقَلِّصٌ، وَخُذْ عَلَى نَفْسِكَ لا تُسَامِحْهَا وَلا تُرَخِّصْ، حَائِطُ الْبَاطِلِ خَرَابٌ فَإِلَى كَمْ تُجَصِّصُ، أَيْنَ الْهَمُّ الْمُجْتَمِعُ تَفَرَّقَ فَمَا يَنْتَفِعُ، يَدْعُوكَ الْهَوَى فَتَتَّبِعُ، وَتُحَدِّثُكَ الْمُنَى فَتَسْتَمِعُ، كَمْ زَجَرَكَ نَاصِحٌ فَلَمْ تُطِعْ، سَارَ الصَّالِحُونَ يَا مُنْقَطِعُ، مَا الَّذِي عَاقَكَ لَهْوٌ مُخْتَدِعٌ، شَرَوْا مَا يَبْقَى بِمَا يَفْنَى وَأَنْتَ لَمْ تَشْرِ وَلَمْ تَبِعْ، أَيْنَ تَعَبُهُمْ؟ نُسِخَ بِالرَّوْحِ وَلَمْ يَضِعْ، تَلَمَّحِ الْعَوَاقِبَ فَلِتَلَمِهَا الْعَقْلُ وُضِعَ، كَأَنَّهُ مَا جَاعَ قَطُّ مَنْ شَبِعَ.
جُزْ عَلَى الشُّونِيزِيَّةِ أَوْ عَلَى قَبْرِ أَحْمَدَ، وَمَيِّزْ مَنْ أَطَاعَ مِمَّنْ أَضَاعَ فَمَنْ أَحْمَدُ؟ قُبُورُ الصَّالِحِينَ تُؤْنِسُ الزَّائِرَ، وَقُبُورُ الظُّلْمَةِ عَلَيْهَا ظلام متوافر، جذ عَلَى قُبُورِ الْعِبَادِ وَنَادِ فِي ذَلِكَ النَّادِ: أَيَّتُهَا الأَوْدِيَةُ وَالْوِهَادُ، مَا فَعَلَتْ تِلْكَ الأَوْرَادُ:
(تَعَاهَدَتْكَ الْعِهَادُ يَا طَلَلُ ... خَبِّرْ عَنِ الظَّاعِنِينَ مَا فَعَلُوا)
(فَقَالَ لَمْ أَدْرِ غَيْرَ أَنَّهُمُ ... صَاحَ غُرَابُ الْبَيْنِ فَاحْتَمَلُوا)
(لا طَابَ لَيْلِي وَلا النَّهَارُ لِمَنْ ... يَسْكُنُنِي أَوْ يَرُدُّهُمْ قَفَلُ)
(وَلا تَحَلَّيْتُ بِالرِّيَاضِ وَبِالنُّورِ ... وَمَغْنَايَ مِنْهُمُ عَطَلُ)
(خَلِّ هَذَا فَمَا عَلَيْكَ لَهُمْ ... قُلْتُ أَنِينٌ وَأَدْمُعٌ هَطَلُ)
(وَأَنَّنِي مُقْفِلُ الضَّمَائِرِ عَنْ ... حُبِّ سِوَاهُمُ مَا حَنَّتِ الإِبِلُ)
(فَقَالَ هَلا اتَّبَعْتَهُمْ أَبَدًا ... إِنْ نَزَلُوا مَنْزِلا وَإِنْ رَحَلُوا)
سُبْحَانَ مَنْ قَسَمَ الأَقْسَامَ، فَلِقَوْمٍ يَقَظَةٌ وَلِقَوْمٍ مَنَامٌ.
قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلانِ بَلَغَتْ بِهِمَا عِبَادَتُهُمَا أَنْ مَشَيَا عَلَى الْمَاءِ، فَبَيْنَمَا هُمَا يَمْشِيَانِ فِي الْبَحْرِ إِذَا هُمَا بِرَجُلٍ يَمْشِي فِي الْهَوَاءِ فَقَالا لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بِأَيِّ شَيْءٍ أَدْرَكْتَ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ؟ فَقَالَ: بِيَسِيرٍ مِنَ الدُّنْيَا: فَطَمْتُ نَفْسِي عَنِ الشَّهَوَاتِ وَكَفَفْتُ لِسَانِي عَمَّا لا يَعْنِينِي، وَرَغِبْتُ فِيمَا دَعَانِي، وَلَزِمْتُ الصَّمْتَ. فَإِنْ أَقْسَمْتُ عَلَى اللَّهِ أَبَرَّ قَسَمِي، وَإِنْ سَأَلْتُهُ أَعْطَانِي.
يَا بَعِيدًا عَنِ الصَّالِحِينَ، يَا مَطْرُودًا عَنِ الْمُفْلِحِينَ، لَقَدْ نَصَبَ الشَّيْطَانُ الأَشْرَاكَ وَجَعَلَ حَبَّ الْفَخِّ هَوَاكَ، وَكَمْ رَأَيْتَ مَأْسُورًا وَسْطَ ذَاكَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الآنَ إِلاكَ، احْذَرْ فَخَّهُ فَهُوَ بَعِيدُ الْفِكَاكِ، كَمْ يَوْمٍ غَابَتْ شَمْسُهُ وَقَلْبُكَ غَائِبٌ، وَكَمْ ظَلامٍ أَسْبَلَ سِتْرَهُ وَأَنْتَ فِي عَجَائِبَ، كَمْ لَيْلَةٍ بِالْخَطَايَا قَطَعْتَهَا، وَكَمْ مِنْ أَعْمَالٍ قَبِيحَةٍ رَفَعْتَهَا، وَكَمْ مِنْ ذُنُوبٍ جَمَعْتَهَا وَالصُّحُفَ أَوْدَعْتَهَا، كَمْ نَظْرَةٍ مَا تَحِلُّ مَا خِفْتَ وَلا مَنَعْتَهَا، كَمْ مِنْ مَوْعِظَةٍ تَعِيهَا وَكَأَنَّكَ مَا سَمِعْتَهَا، وَكَمْ مِنْ ذُنُوبٍ تَعِيبُ غَيْرَكَ بِهَا أَنْتَ صَنَعْتَهَا، وَكَمْ أَمَرَتْكَ النَّفْسُ بِمَا يُؤْذِي فَأَطَعْتَهَا، يَا مُوَافِقًا لِنَفْسِهِ آذَيْتَهَا، خَالِفْهَا وَقَدْ نَفَعْتَهَا:
(طَوَى نَفْسَهُ عَنْكَ الشَّبَابُ الْمُزَايِلُ ... وَأَسْلَمْتَ لِلشَّيْبِ الَّذِي لا يُزَايِلُ)
(نَسِيرُ إِلَى الآجَالِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ ... وَأَيَّامُنَا تُطْوَى وَهُنَّ مَرَاحِلُ)
(وَلَمْ أَرَ مِثْلَ الْمَوْتِ حَقًّا كَأَنَّهُ ... إِذَا مَا تَخَطَّتْهُ الأَمَانِي بَاطِلُ)
(وَمَا أَقْبَحَ التَّفْرِيطَ فِي زَمَنِ الصِّبَا ... فَكَيْفَ بِهِ وَالشَّيْبُ فِي الرَّأْسِ شَامِلُ)
(تَرَحَّلْ عَنِ الدُّنْيَا بِزَادٍ مِنَ التُّقَى ... فَعُمْرُكَ أَيَّامٌ وَهُنَّ قَلائِلُ)