(فصل هل يرد الاعتراض الأقدار؟)
رأيت كثيرًا من المغفلين يظهر عليهم السخط بالأقدار.
وفيهم من قل إيمانه، فأخذ يعترض.
وفيهم من خرج إلى الكفر، ورأى أن ما يجري كالعبث، وقال ما فائدة الإعدام بعد الإيجاد، والابتلاء ممن هو غني عن أذانا.
فقلت لبعض من كان يرمز إلى هذا: إن حضر عقلك وقلبك حدثتك.
وإن كنت تتكلم بمجرد واقعك من غير نظر وإنصاف فالحديث معك ضائع.
ويحك، أحضر عقلك، واسمع ما أقول: أليس قد ثبت أن الحق سبحانه مالك، وللمالك الحق أن يتصرف كيف يشاء!.
أليس قد ثبت أنه حكيم والحكيم لا يعبث!.
وأنا أعلم أن في نفسك من هذه الكلمة شيئًا فإنه قد سمعنا عن جالينوس أنه قال: ما أدري؟ أحكيم هو أم لا.
والسبب في قوله هذا، أنه رأى نقضًا بعد إحكام، فقاس الحال على أحوال الخلق وهو أن من بنى ثم نقض لا لمعنى فليس بحكيم.
وجوابه لو كان حاضرًا أن يقال: بماذا بان لك أن النقض ليس بحكمة؟.
أليس بعقلك الذي وهبه الصانع لك؟.
وكيف يهب لك الذهن الكامل ويفوته هو الكمال؟.
وهذه هي المحنة التي جرت لإبليس. فإنه أخذ يعيب الحكمة بعقله، فلو تفكر علم أن واهب العقل أعلى من العقل، وأن حكمته أوفى من كل حكيم، لأنه بحكمته التامة أنشأ العقول.
فهذا إذا تأمله المنصف زال عنه الشك.
وقد أشار سبحانه إلى نحو هذا في قوله تعالى: {أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ} أي أجعل لنفسه الناقصات وأعطاكم الكاملين؟.
فلم يبق إلا أن نضيف العجز عن فهم ما يجري إلى نفسنا.
ونقول هذا فعل عالم حكيم. ولكن ما يبين لنا معناه.
وليس هذا بعجب، فإن موسى عليه السلام خفي عليه وجه الحكمة في نقض السفينة الصحيحة، وقتل الغلام الجميل، فلما بين له الخضر وجه الحكمة أذعن.
فليكن المرء مع الخالق كموسى مع الخضر.
أولسنا نرى المائدة المستحسنة بما عليها من فنون الطعام النظيف الظريف يقطع ويمضغ ويصير إلى ما نعلم. ولسنا نملك ترك الأفعال ولا ننكر الإفساد له، لعلمنا بالمصلحة الباطنة فيه.
فما المانع أن يكون فعل الحق سبحانه له باطن لا نعلمه؟.
ومن أجهل الجهال العبد المملوك إذا طلب أن يطلع على سر مولاه، فإن فرضه التسليم لا الاعتراض.
ولو لم يكن في الابتلاء بما تنكره الطباع إلا أن يقصد إذعان العقل وتسليمه لكفى.
ولقد تأملت حالة عجيبة، يجوز أن يكون المقصود بالموت هي، وذلك أن الخالق سبحانه في غيب لا يدركه الإحساس.
فلو أنه لم ينقض هذه البنية لتخايل للإنسان أنه صنع لا بصانع.
فإذا وقع الموت عرفت النفس نفسها التي كانت لا تعرفها لكونها في الجسد وتدرك عجائب الأمور بعد رحيلها.
فإذا ردت إلى البدن عرفت ضرورة أنها مخلوقة لمن أعادها.
وتذكرت حالها في الدنيا - فإن الذكريات تعاد كما تعاد الأبدان - فيقول قائلهم {إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ} .
ومتى رأت ما قد وعدت به من أمور الآخرة. أيقنت يقينًا لا شك معه.
ولا يحصل هذا بإعادة ميت سواها. وإنما يحصل برؤية هذا الأمر فيها.
فتبنى بنية تقبل البقاء وتسكن جنة لا ينقضي دوامها.
فيصلح بذلك اليقين أن تجاوز الحق، لأنها آمنت بما وعد، وصبرت بما ابتلى، وسلمت لأقدراه، فلم تعترض، ورأت في غيرها العبر، ثم في نفسها. فهذه هي التي يقال لها: {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي} .
فأما الشاك والكافر فيحق لهما الدخول إلى النار واللبث فيها، لأنهما رأيا الأدلة ولم يستفيدا ونازعا الحكيم واعترضا عليه، فعاد شؤم كفرهما يطمس قلوبهما، فبقيت نفوسهما على ما كانت عليه.
فلما لم تنتفع بالدليل في الدنيا لم تنتفع بالموت والإعادة ودليل بقاء الخبث في القلوب قوله تعالى: {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} .
فنسأل الله عز وجل عقلًا مسلمًا يقف على حده، ولا يعترض على خالقه وموجده.
ثم الويل للمعترض، أيرد اعتراضه الأقدار؟.
فما يستفيد إلا الخزي، نعوذ بالله ممن خذل.