فهرس الكتاب

الصفحة 778 من 796

{ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ(3)}

إِخْوَانِي: اعْتَبِرُوا بِمَنْ مَضَى مِنَ الأَقْرَانِ, وَتَفَكَّرُوا فِي مَنْ بَنَى كَيْفَ بَانَ, تَقَلَّبَتْ وَاللَّهِ بِهِمُ الأَحْوَالُ وَلَعِبَتْ بِهِمْ أَيْدِي الْبَلْبَالِ, وَنَسِيَهُمْ أحبابهم بَعْدَ لَيَالٍ, وَعَانَقُوا التُّرَابَ وَفَارَقُوا الْمَالَ, فَلَوْ أَذِنَ لِصَامِتِهِمْ لَقَالَ:

(مَنْ رَآنَا فَلْيُحَدِّثْ نَفْسَهُ ... أَنَّهُ مُوفٍ عَلَى قُرْبِ زَوَالِ)

(وَصُرُوفُ الدَّهْرِ لا يَبْقَى لَهَا ... وَلِمَا تَأْتِي بِهِ صُمُّ الْجِبَالِ)

(رُبَّ رَكْبٍ قَدْ أَنَاخُوا حَوْلَنَا ... يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ بِالْمَاءِ الزُّلالِ)

(وَالأَبَارِيقُ عَلَيْهَا قُدُمٌ ... وَعِتَاقُ الخيل تردى فِي الْجِلالِ)

(عَمَّرُوا دَهْرًا بِعَيْشٍ حَسَنٍ ... آمِنِي دَهْرَهُمْ غَيْرَ عِجَالِ)

(ثُمَّ أَضْحَوْا لَعِبَ الدَّهْرُ بهم ... وكذلك الدَّهْرُ حَالٌ بَعْدَ حَالِ)

يَا مَشْغُولا بِالأَمَلِ وَالْمُنَى, تَأَهَّبْ لِمَصْرَعٍ قَدْ قَارَبَ وَدَنَا, وَتَزَوَّدْ لِلْقَبْرِ مِنَ الصَّبْرِ كَفَنًا, وَتَهَيَّأْ لِحَرْبِ الْهَوَى فَإِذَا عَزَمْتَ فَأَلْقِ الْقَنَا, فَاللُّحُودُ الْمَقِيلُ وَبَيْتُ الْمَوْتَى لا يُبْتَنَى, وَحَاكِمُ الْعَدْلِ يُجَازِي كُلا بما جنى.

(لا بُدَّ لِلإِنْسَانِ مِنْ ضَجْعَةٍ ... لا تَقْلِبُ الْمُضْجَعَ عَنْ جَنْبِهِ)

(يَنْسَى بِهَا مَا كَانَ مِنْ عُجْبِهِ ... بِمَا أَذَاقَ الْمَوْتُ مِنْ كَرْبِهِ)

(نَحْنُ بَنُو الْمَوْتَى فَمَا بَالُنَا ... نَعَافُ مَا لا بُدَّ مِنْ شُرْبِهِ)

(يَمُوتُ رَاعِي الضَّأْنِ فِي جَهْلِهِ ... مَوْتَةَ جَالِينُوسَ فِي طِبِّهِ)

(وَرُبَّمَا زَادَ عَلَى عُمْرِهِ ... وَزَادَ فِي الأَمْنِ عَلَى سِرْبِهِ)

(وَغَايَةُ الْمُفَرِّطِ فِي سَلْمِهِ ... كَغَايَةِ الْمُفَرِّطِ فِي حَرْبِهِ)

كَأَنَّكَ بِكَ وَقَدْ مَدَّ كَفَّهُ إِلَيْكَ الْمُخَالِسُ, وَافْتَرَسَكَ أَجَلٌ كَمْ قَدْ فَرَى فِي الْفَرَائِسِ, وَحَلَلْتَ بِقَاعِ الْبِلَى فَخَلَتْ مِنْكَ الْمَجَالِسُ, وَنَفَرَ وَبَعُدَ عَنْكَ الصَّدِيقُ الصَّدُوقُ وَالْوَدُودُ الْمُجَانِسُ, وَتَرَكَ زِيَارَتَكَ مَنْ كَانَ لَكَ فِي الْوَحْدَةِ يُؤَانِسُ, وَحُبِسْتَ فِي ضَنْكٍ ضَيِّقٍ مِنَ الْمَحَابِسِ, وَأَصْبَحَ رَبْعُكَ بَعْدَ بُعْدِكَ وَهُوَ خَالٍ دَارِسُ, وَنَزَلْتَ لَحْدَكَ وَحْدَكَ فِي ظُلْمِ الْحَنَادِسِ, وبكى الأهل ساعة والرؤوس لِلنَّوَى نَوَاكِسُ, ثُمَّ عَادُوا إِلَى الْحِلَّةِ وَكُلٌّ فِي حِلِّهِ آيِسٌ, وَانْطَلَقُوا فَأَطْلَقُوا أَمْوَالَكَ الْحَبَائِسَ, وَأَنْتَ تَتَمَنَّى الْعَوْدَ كَلا وَالْعُودُ يَابِسٌ, وَلَقِيتَ قَرْنًا مِنَ الرَّدَى فَيَا شِدَّةَ الْمُتَشَاوِسِ, وَتَعَوَّضْتَ الرَّغَامَ عَلَى الرَّغَمِ وَالثَّرَى بِالثَّرَى بَعْدَ الْمَلابِسِ, فَيَا بُؤْسَ هَذَا الْمَلْبُوسِ وَيَا ذُلَّ هَذَا اللابِسِ, فَلَوِ اطُّلِعَ عَلَيْكَ بَعْدَ يَوْمٍ خَامِسٍ أَوْ سَادِسٍ لَرُئِيَ أَثَرٌ بَعْدَ عَيْنٍ قَدْ غَيَّرَتْهُ الطَّوَامِسُ, وَجَاءَكَ مُنْكَرُ وَنَكِيرُ فَخَبِّرْ عَنْ حَرْبِ الْبَسُوسِ وَدَاحِسَ, وَبَقِيتَ حَدِيثًا يَجْرِي عَلَى مَرِّ الْمَدَى فِي الْمَدَارِسِ, فَاغْتَنِمْ حَيَاتَكَ قَبْلَ الْمَمَاتِ فَأَنْفَاسُ النُّفُوسِ نَفَائِسُ, يَا ذَا الأَمَلِ الطَّوِيلِ كَمْ آذَى حَدِيثُ الْوَسَاوِسِ, يَا مُنَاغِيَ الْمُنَى وَدِّعْ هَذِهِ الْهَوَاجِسَ, أَيْنَ أَرْبَابَ الْقُصُورِ, هَذِهِ طِوَلُهَا تَمَنْطَقَ بِالْخَرَابِ سُورُهَا فَنَطَقَ مُحِيلُهَا, سُحِبَتْ عَلَى جُيُوبِهَا مِنْ جُنُوبِها ذُيُولُهَا, قُلْ لَهَا أَيْنَ عَامِرُهَا أَمْ أَيْنَ نَزِيلُهَا, يَا كَثِيرَ الأَسْئِلَةِ لَهَا كَمْ تُطِيلُهَا, كَانَتْ فِيهَا جيرة ثم أتى رحيلها, فاليوم تندب أطلالهم وَالْغِرْبَانُ رَسِيلُهَا, مَا رَدَّتْ شَوَاجِرُ الرِّمَاحِ وَلا دَفَعَ صَقِيلُهَا, وَلا مَنَعَتْ تِلْكَ الظِّبَا كَالرَّعْدِ ضليلها, أَمْرٌ لا مَرَدَّ لَهُ مَرَّتْ بِهِ مُرْدُهَا وَكُهُولُهَا, وَتَتَابَعَتْ بِهِ آسَادُهَا فِي بَحْرِ الْهَلاكِ وَشُبُولُهَا, وَعُقِرَتْ فِي جَوَادِ النَّوَى بِسَيْفِ الثَّوَاءِ خيولها, وَتَسَاوَى فِي جَرِيرِ الآفَاتِ صَعْبُهَا وَذَلُولُهَا, أَمَا يَكْفِي الْقُلُوبَ الْغَافِلَةَ وَعْظًا دَلِيلُهَا, يَا لِنُفوسٍ أمرَضها الْهَوَى مَا يَشْفَى عَلِيلُهَا, أَمَا هَذِهِ طَرِيقُهَا أَمَا هَذِهِ سَبِيلُهَا, يَا لَهَا مِنْ مَوْعِظَةٍ كَمْ تَسْمَعُهَا وَكَمْ تَقُولُهَا.

خَلَجَ وَاللَّهِ الْبَيْنُ مِنَ الْقَوْمِ مَنْ خَلَجَ, وَأَمَّ الْمَوْتُ آمِلَهُمْ فَلا تَسْأَلْ كَيْفَ انْزَعَجَ، وَاسْتَنْزَلَ عَالِيَهُمْ في أَعَالِي الدَّرَجِ فَدَرَجَ، وَسَارُوا فِي عَسْكَرِ الْبِلَى فَأَتْلَفَهُمُ الْوَهَجُ, وَزَفَرَتْ أَبْدَانُهُمْ بَعْدَ طِيبِ الأَرَجِ, وَنَسَجَ لَهُمُ الْبِلَى ثَوْبًا فَيَا بِئْسَ مَا نَسَجَ, وَعَامُوا فِي بَحْرِ الأَسَى فَلَجَّجَ بِهِمْ فِي اللُّجَجِ, وَلَقِيَهُمْ مِنَ الْبَلايَا مَا ضُوعِفَ وَازْدَوَجَ, وَاسْتَغَاثُوا وَلَكِنْ فِي غَيْرِ أَوَانِ الْفَرَجِ, وَطَلَبُوا رَاحَةً وَلَكِنَّهُ زَمَانُ الْحَرَجِ, وَسُئِلُوا فَعَدِمُوا تَصْحِيحَ الْجَوَابِ وَتَحْقِيقَ الْحُجَجِ, فَيَا أَسَفَا لِمَسْئُولِهِمْ لا فاز ولا فلج:

(إن قومي صد عنهم توبة ... شقق البرد اليماني يعط)

(قل لأحداث رَمَى الدَّهْرُ بِهِمْ ... فَهُمْ فِي رُقَعِ الدَّهْرِ نُقَطْ)

(ذَاقَهُمْ مُسْتَحْلِيًا أَرْوَاحَهُمْ ... وَرَأَى الْمَضْغَ طَوِيلا فاشترط)

(وتواق غَيْرُ بَاقِينَ وَكَمْ ... يَلْبَثُ الْقَارِبُ مِنْ بَعْدِ الْفَرَطْ)

(وَإِذَا كَشَّفْتُ مَا يُرْمِضُنِي ... مِنْ مَضِيضِ الدَّاءِ قَالَ الْحِلْمُ غَطّ)

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْفِهْرِيِّ, عَنْ أَبِيهِ أَنَّ فَتًى كَانَ عَلَى عَهْدِ الْحَسَنِ, وَكَانَ مُفَرِّطًا فِي حَقِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ فِي تَفْرِيطِهِ أَخَذَهُ اللَّهُ بِالْمَرَضِ أَخْذَةً شَدِيدَةً, فَلَمَّا آلَمَهُ الْوَجَعُ نَادَى بِصَوْتٍ مُنْكَسِرٍ مَحْزُونٍ: إِلَهِي وَسَيِّدِي أَقِلْ عَثْرَتِي وَأَقِمْنِي مِنْ صَرْعَتِي, فَإِنِّي لا أَعُودُ. فَأَقَامَهُ اللَّهُ مِنْ صَرْعَتِهِ فَرَجَعَ إِلَى أَشَدَّ مِمَّا كَانَ فيه, فأخذه الله أخذة ثالثة فَقَالَ إِلَهِي أَقِلْنِي عَثْرَتِي وَأَقِمْنِي مِنْ صَرْعَتِي فَإِنِّي لا أَعُودُ أَبَدًا, فَأَقَامَهُ اللَّهُ مِنْ صرعته فرجع إلى أشد مما كان, فبينما هُوَ مَارٌّ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ إِذْ نَظَرَ إِلَيْهِ الْحَسَنُ يَضْرِبُ بِأَرْدَانِهِ وَيَنْظُرُ فِي أَعْطَافِهِ فَقَالَ: يَا فَتَى خَفِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ. فَقَالَ: إِلَيْكَ عَنِّي يَا أَبَا سَعِيدٍ فَإِنَّا أَحْدَاثٌ نُرِيدُ أَنْ نَذُوقَ الدُّنْيَا. فَقَالَ الْحَسَنُ: كَأَنَّكُمْ بِالْمَوْتِ قَدْ نَزَلَ بِسَاحَةِ هَذَا الشَّابِّ فَرَضَّهُ رَضًّا. فَبَيْنَمَا الْحَسَنُ فِي مَجْلِسِهِ إِذْ أَقْبَلَ أَخُو الْفَتَى إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ إِنَّ الْفَتَى الَّذِي كُنْتَ تَعِظُهُ هُوَ أَخِي, وَقَدْ وَقَعَ فِي سَكَرَاتِ الْمَوْتِ وَغُصَصِهِ.

فَقَالَ الْحَسَنُ لأَصْحَابِهِ: قُومُوا نَنْظُرُ مَا فَعَلَ اللَّهُ بِهِ. فَلَمَّا أَقْبَلَ الْحَسَنُ قَرَعَ الْبَابَ فَقَالَتْ أُمُّهُ مَنْ بِالْبَابِ؟ فَقَالَ: الْحَسَنُ. فَقَالَتْ: يَا أَبَا سَعِيدٍ مِثْلُكَ يَأْتِي إِلَى مِثْلِ وَلَدِي! أَيَّ شَيْءٍ تَعْمَلُ عَلَى بَابِ وَلَدِي وَوَلَدِي لَمْ يَتْرُكْ ذَنْبًا إِلا رَكِبَهُ وَلا مُحَرَّمًا إِلا انْتَهَكَهُ. فَقَالَ: اسْتَأْذِنِي لَنَا عَلَيْهِ فَإِنَّ ربنا سبحانه يقيل العثرات.

فقالت: يَا بُنَيَّ هَذَا الْحَسَنُ بِالْبَابِ, فَقَالَ: يَا أُمَّاهُ أَتُرَى جَاءَنِي الْحَسَنُ عَائِدًا أَوْ مُوَبِّخًا؟ افْتَحِي لَهُ الْبَابَ. فَفَتَحَتْ لَهُ فَدَخَلَ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ يُعَالِجُ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ قَالَ لَهُ: يَا فَتَى اسْتَقِلِ اللَّهَ يُقِلْكَ. فَقَالَ: يَا أبا سعيد إنه لا يفعل. قال: أو تصف اللَّهَ بِالْبُخْلِ

وَهُوَ الْجَوَادُ الْكَرِيمُ! فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ إِنِّي عَصَيْتُهُ فَاسْتَقَلْتُهُ فَأَقَالَنِي, فَعَصَيْتُهُ فَأَمْرَضَنِي, فَاسْتَقَلْتُهُ فَأَقَالَنِي, وَهَذِهِ الْخَامِسَةُ, فَلَمَّا اسْتَقَلْتُهُ نَادَى مُنَادٍ مِنْ زَاوِيَةِ الْبَيْتِ, أَسْمَعُ الصَّوْتَ وَلا أَرَى الشَّخْصَ: لا لَبَّيْكَ وَلا سَعْدَيْكَ قَدْ جَرَّبْنَاكَ مِرَارًا فَوَجَدْنَاكَ غَدَّارًا. فَقَالَ الْحَسَنُ لأَصْحَابِهِ: قُومُوا بِنَا.

فَلَمَّا أَنْ خَرَجَ الْحَسَنُ قَالَ لأُمِّهِ: هَذَا الْحَسَنُ قَدْ آيَسَنِي مِنْ سيدي وسيدي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ, يَا أُمَّاهُ إِذَا رَأَيْتِينِي وَقَدْ تَحَوَّلَ السَّوَادُ بَيَاضًا وَرَشَحَ لِلْمَوْتِ جَبِينِي وَغَارَتِ الْعَيْنَانِ وَاصْفَرَّ الْبَنَانُ وَانْقَطَعَ اللِّسَانُ, فَخُذِي الْمِدْرَعَةَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِي وَضَعِي خَدِّي عَلَى الثَّرَى وَاسْتَوْهِبِينِي مِنْ سَيِّدِي, فَإِنَّ سَيِّدِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ. فَلَمَّا نَظَرَتْ إِلَيْهِ يُعَالِجُ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ أَخَذَتِ الْمِدْرَعَةَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ وَوَضَعَتْ خَدَّهُ عَلَى التُّرَابِ وَشَدَّتْ وَسَطَهَا بِحَبْلٍ مِنْ لِيفٍ وَنَشَرَتْ شَعْرَهَا وَرَفَعَتْ رَأْسَهَا نَحْوَ السَّمَاءِ ثُمَّ نَادَتْ: إِلَهِي وَسَيِّدِي أَسْأَلُكَ بِالرَّحْمَةِ الَّتِي رَحِمْتَ بِهَا يَعْقُوبَ فَجَمَعْتَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَلَدِهِ, وَأَسْأَلُكَ بِالرَّحْمَةِ الَّتِي رَحِمْتَ بها أيوب

فَكَشَفْتَ عَنْهُ الْبَلاءَ إِلا مَا رَحِمْتَ وَلَدِي وَوَهَبْتَ لِي ذَنْبَهُ. وَسَمِعَ الْحَسَنُ هَاتِفًا يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ رَحِمَ الْفَتَى وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فَحَضَرَ الْحَسَنُ وَجَمِيعُ أَصْحَابِهِ جِنَازَتَهُ.

يَا أَهْلَ الذُّنُوبِ لا يَغُرَّنَّكُمُ الإِمْهَالُ فَإِنَّمَا هِيَ أَيَّامٌ وَلَيَالٍ, رُبَّ مَشْغُولٍ بِلَذَّاتِهِ عَنْ ذِكْرِ تَخْرِيبِ ذَاتِهِ, يَلْهُو بِأَمَلِهِ عَنْ تَجْوِيدِ عَمَلِهِ, يَتَقَلَّبُ فِي أَغْرَاضِهِ نَاسِيًا قُرْبَ إمراضه, بغته الفاجع بباسه فأخذ عَنْ أَهْلِهِ وَجُلاسِهِ.

(سَجْعٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ} )

كَمْ مَأْخُوذٍ عَلَى الزَّلَلِ خُتِمَ لَهُ بِسُوءِ الْعَمَلِ, نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ, فَيَا هَوْلَ مَا نَزَلَ, فَأَسْكَنَهُ الْقَبْرَ فَكَأَنْ لَمْ يَزَلْ, وَهَذَا مَصِيرُ الْغَافِلِ لَوْ غَفَلَ {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ} .

كَمْ نَائِمٍ عَلَى فِرَاشِ التَّقْصِيرِ, مُغْتَرٌّ بِعُمْرٍ قَصِيرٍ, صَاحَ بِهِ فَلَمْ يُبَالِ النَّذِيرَ, فَاسْتَلَبَهُ الْخَطَأُ وَالتَّبْذِيرُ, فَلَمَّا أَحَسَّ الْبَاسَ ثَارَتْ مِنْ نِيرَانِ النَّدَمِ شُعَلٌ {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ} .

كَمْ مُسْتَحِلٍّ شَرَابَ الْهَوَى شَرِبَ مِنْ كَأْسِهِ حَتَّى ارْتَوَى, بَيْنَا هُوَ عَلَى جَادَّةِ إِعْرَاضِهِ هَوَى, فَمَا نَفَعَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ مَا حَوَى, وَلا مَا شَرِبَ وَلا مَا أَكَلَ {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ} .

لا تَغْتَرِرْ بِنَعِيمِ الْقَوْمِ, فَإِنَّ غَدًا بَعْدَ الْيَوْمِ, دَعْهُمْ فَمَا يُؤْثَرُ فِيهِمُ اللَّوْمُ, وَهَلْ ينفع التحريك مَيِّتًا وَهَلْ {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ} .

يَجْمَعُونَ الْحُطَامَ بِكَسْبِ الْحَرَامِ, وَيَتَفَكَّرُونَ فِي نَصْبِ شَرَكِ الآثَامِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ, يَرْقُدُونَ فِي اللَّيْلِ وَفِكْرُهُمْ فِي الْوَيْلِ طَوِيلٌ لا يَنَامُ, وَالأَقْدَامُ فِيمَا لا يَحِلُّ إِقْدَامٌ تَسْعَى فِي هَوَاهَا سَعْيَ الرَّمَلِ {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ} .

مَا عِنْدَهُمْ خَبَرٌ مِنَ السَّاعَةِ, وَالْعُمْرُ يَمْضِي سَاعَةً فَسَاعَةً, خَسِرُوا فِي أَشْرَفِ

تِجَارَةٍ وَأَغْلَى بِضَاعَةٍ, يَتَثَاقَلُونَ تَثَاقُلَ عُطَارِدَ فِي الطَّاعَةِ, فَإِذَا لاحَ الذَّنْبُ فَزُحَلَ {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ} .

كَيْفَ بِكَفٍّ يَعْيَا وَيَعِيثُ, كَيْفَ نُحَذِّرُهَا شَرَّ الْخَطَايَا وَكُلُّ فِعْلِهَا خَبِيثٌ.

كَيْفَ نُخَوِّفُهَا قَلِيلَ الذَّنْبِ وَلِسَانُ الْحَالِ يَسْتَغِيثُ. أَنَا الْغَرِيقُ فَمَا خوفي من البلل {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ} .

وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت