فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 796

{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ...(185)}

(أصل رَمَضَان فِي اللُّغَة)

قَالَ الله تَعَالَى {شهر رَمَضَان الَّذِي أنزل فِيهِ الْقُرْآن هدى للنَّاس وبينات من الْهدى وَالْفرْقَان} الْبَقَرَة 185] فَمَا جعله هدى فَلَا يكون ضَلَالَة وَمَا جعله بَيَانا فَلَا يكون جَهَالَة وَمَا ضعف فِيهِ الْأجر فَلَا تجعلوه بطالة

شهر رَمَضَان قيل سمي شهر رَمَضَان لشدَّة الْحر فِيهِ وَقيل أَخذ من حرارة الْحِجَارَة لما يَأْخُذ الْقُلُوب من حرارة الموعظة والفكرة وَالِاعْتِبَار بِأَمْر الْآخِرَة

قَالَ الْخَلِيل الرمضاء الْحِجَارَة الحارة ورمض الْإِنْسَان إِذا مَشى على الرمضاء فَسُمي رَمَضَان بذلك لِأَنَّهُ يرمض الذُّنُوب] أَي يحرقها وَقيل سمي بذلك لِأَنَّهُ شهر يغسل الْأَبدَان غسلا ويطهر الْقُلُوب تَطْهِيرا

وَهُوَ مَأْخُوذ من الرمض وَهُوَ مطر يَأْتِي قبل الخريف

وَقيل رمض ورفض بِمَعْنى وَاحِد وَهُوَ من الْحُرُوف المتعاقبة يرفض قوما إِلَى مَحل الْقرْبَة والزلفى ويرفض آخَرين إِلَى مَحل الْبعد والسخطة

وَقيل سمي شهرا لشهرته

وَهُوَ شهر الإيقان وَشهر الْقُرْآن وَشهر الْإِحْسَان وَشهر الرضْوَان وَشهر الغفران وَشهر إغاثة اللهفان وَشهر التَّوسعَة على الضيفان وَشهر تفتح فِيهِ أَبْوَاب الْجنان ويصفد فِيهِ كل شَيْطَان وَهُوَ شهر الْأمان وَالضَّمان

شهر يُخَفف فِيهِ عَن الْمَمْلُوك

تزهر فِيهِ الْقَنَادِيل وَينزل فِيهِ بِالرَّحْمَةِ جِبْرِيل ويتلى فِيهِ التَّنْزِيل ويسمح فِيهِ للْمُسَافِر والعليل شهر رَمَضَان للعباد مثل الْحرم فِي أم الْبِلَاد الْحرم يمْنَع مِنْهُ الدَّجَّال اللعين ورمضان يصفد فِيهِ مَرَدَة الشَّيَاطِين

شهر رَمَضَان فِي الدُّنْيَا مثل الْجنان فِي العقبى سدر مخضود وطلح منضود وظل مَمْدُود ومكله خُلُود مُتَّصِل لَيْسَ يبيد وَفِي رَمَضَان بذل المجهود ورضى طلب المعبود وَحفظ الْحُدُود وَإِظْهَار الْكَرم والجود

أقبل الصَّوْم يَا مِسْكين وكلنَا مَسَاكِين وَأَنت عاكف على مَا يسْخط الْجَبَّار مصر على الآثام والأوزار عَامل بأعمال أهل النَّار متشبه بالنساك والأخيار وَأَنت فِي جملَة الْفُسَّاق والفجار وَقد أطلع على سرك وضميرك عَالم الضمائر والأسرار

وَشهر الصَّوْم شَاهد عَلَيْك وَالْمَلَائِكَة تلعنك وَالله لَا ينظر إِلَيْك وَهُوَ جلّ جَلَاله بإعراضك عَن الطَّاعَة معرض عَنْك غاضب عَلَيْك فَلَا تجْعَل أَيهَا الصَّائِم شهرك هَذَا كَسَائِر الشُّهُور

وَالله سُبْحَانَهُ ينظر من عَبده إِذا لم ير أثرا لشهر رَمَضَان من ملكه لجوارحه يَقُول جلّ جَلَاله هَذَا عَبدِي لَا يعرف لشهري هَذَا فضلا وَأَنا لَا أعلم الْآن لَهُ عِنْدِي فضلا

(عظة بليغة)

افق يَا ذَا الغي والمحال واستيقظ يَا ذَا السَّهْو والإغفال وانتبه من السكرات الطوَال

أترضى يَا مِسْكين أَن يرد صومك فِي وَجهك من غير قبُول من الله أتستحسن أَن تكون جائعا عطشان وَلَيْسَ لَك جاه عِنْد الله أَيْن النِّيَّة الْمُجَرَّدَة أَيْن التَّوْبَة المجددة أَيْن الندامة الْمُؤَكّدَة أَيْن الْحَلَال من الطَّعَام أَيْن اجْتِنَاب الطعمة الْحَرَام أَيْن حجر الأوزار والآثام أَيْن الرَّحْمَة لِذَوي الْفقر والضعفاء والأيتام أَيْن الْإِخْلَاص للْملك العلام أَيْن الْتِزَام شَرِيعَة الْإِسْلَام أَيْن الأسوة بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام انْظُر يَا مِسْكين إِذا قطعت نهارك بالعطش والجوع وأحييت ليلك بطول السُّجُود الرُّكُوع إِنَّك فِيمَا تظن صَائِم وَأَنت فِي جهالتك جازم وَفِي صَلَاتك دَائِم وَفِي بحار سكراتك هائم

أَيْن أَنْت من التَّوَاضُع والخشوع أَيْن أَنْت من الذلة لمولاك والخضوع أتحسب أَنَّك عِنْد الله من أهل الصّيام والأمان الفائزين فِي شهر رَمَضَان كلا وَالله حَتَّى تخلص النِّيَّة وتجردها وتطهر الطوية وتجودها وتجتنب الْأَعْمَال الدنية وَلَا تردها وتكثر الْبكاء وَالْحَسْرَة وتسيل الدُّمُوع وَالْعبْرَة وَتلْزم الفكرة وَالْعبْرَة وتسأل مَوْلَاك إِقَالَة العثرة فَحِينَئِذٍ يكون صيامك لَك من الذُّنُوب شِفَاء وَمن الْعُيُوب ستْرَة وجلبابا

أَيْن الصائمون أَيْن القائمون أَيْن الطائعون أَيْن الْعَامِلُونَ أَيْن السَّابِقُونَ أَيْن الخاشعون أَيْن الذاكرون أَيْن القانتون أَيْن الصادقون أَيْن الصَّابِرُونَ أَيْن المتصدقون أَيْن الآمرون بِالْمَعْرُوفِ أَيْن المغيثون الملهوف أَيْن التهاون عَن الْمُنكر أَيْن المستشعرون للفكر أَيْن السامعون للعبر بادوا وَالله مَعَ الصَّالِحين وانقلبوا مَعَ الْمُؤمنِينَ ونزلوا مَعَ النَّبِيين وَسَكنُوا مَعَ الصديقين وَبَقينَا وَالله مَعَ الْجَاهِلين وسكنا مَعَ الْفَاسِقين وتأسينا بالغافلين واصطلحنا على مَعْصِيّة رب بالعالمين

فصيامك يَا مِسْكين فِي وَجهك مَرْدُود وَأَنت عَن رشدك مغيب مَفْقُود وَعَن صلاحك ونجاحك غير مَوْجُود وَأَنت عَن بَاب مَوْلَاك مبعد مطرود وأعمالك بِالْفِسْقِ مَوْصُولَة وجوارك للعصيان مبذولة وألفاظك فِي الْغَيْبَة مجعولة وعزيمتك للطاعة محلولة وعبادتك فِي هَذَا الشَّهْر غير مَقْبُولَة وفرائض مَوْلَاك بِالْمَعَاصِي مهمولة

وأنشدوا

(الصَّوْم جنَّة أَقوام من النَّار ... وَالصَّوْم حصن لمن يخْشَى من النَّار)

(وَالصَّوْم ستر لأهل الْخَيْر كلهم ... الْخَائِفِينَ من الأوزار والعار)

(والشهر شهر آله الْعَرْش من بِهِ ... رب رَحِيم لثقل الْوزر ستار)

(فصَام فِيهِ رجال يربحون بِهِ ... ثوابهم من عَظِيم الشَّأْن غفار)

(فَأَصْبحُوا فِي جنان الْخلد قد نزلُوا ... من بَين حور وأشجار وأنهار)

فهنيئا لمن أطَاع الْملك الرَّحْمَن فِي شهر الرَّحْمَة شهر رَمَضَان لقد فَازَ بالحور والولدان فِي دَار السَّلَام والرضوان

صَبَرُوا الْأَيَّام القليلة فأعقبهم الرَّاحَة الطَّوِيلَة وَالنعْمَة الجزيلة كلما تعودت من الْخَيْر وَمَا تعْمل فِي هَذَا الشَّهْر جوزيت إِلَى آخر الْعُمر فَإِن الْخَيْر عَادَة وَالشَّر لجاجة

أَيْن أَنْت يَا صَائِم يَا قَائِم أقبِلْ على الْخَيْر تفوز بسرور دَائِم

تَاجر مَوْلَاك فَإنَّك تربح وعامله فَإنَّك تفلح وَاعْتذر إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يقبل عذرك وَاسْتَغْفرهُ فَإِنَّهُ يغْفر ذَنْبك وارغب إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يكْشف كربك واسأله من فَضله فَإِنَّهُ يُوسع رزقك وَتب إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يعظم حظك يَا أخي هَذَا شهر تستر فِيهِ القبائح والعيوب وتلين فِيهِ النُّفُوس والقلوب وَتغْفر فِيهِ الأوزار والذنُوب وينفس الله عَن الحزين المكروب يَقُول الْمولى جلّ جَلَاله لملائكته يَا ملائكتي انْظُرُوا إِلَى الألسن الْيَابِسَة كَيفَ تبتل بذكري انْظُرُوا إِلَى الأحداق الصلبة كَيفَ تَدْمَع من خوفي انْظُرُوا إِلَى الْأَقْدَام المنعمة تنصب فِي المحاريب ابْتِغَاء وَجْهي يَا أخي مَتى أطعمت فِي هَذَا الشَّهْر لله رب الأَرْض وَالسَّمَوَات رفعت إِلَى الدَّرَجَات الْعَالِيَة فِي قَرَار الجنات وحصلت مَعَ مَوْلَاك مكسيا من الْحَسَنَات عُريَانا من السَّيِّئَات

(تَقْسِيم الصَّوْم والصائمين)

وَالصَّوْم ثَلَاثَة صَوْم الرّوح وَهُوَ قصر الأمل وَصَوْم الْعقل وَهُوَ مُخَالفَة الْهوى

وَصَوْم الْجَوَارِح وَهُوَ الْإِمْسَاك عَن الطَّعَام وَالشرَاب وَالْجِمَاع

يَا أخي من صَامَ عَن الطَّعَام وَالشرَاب فصومه عَادَة وَمن صَامَ عَن الرِّبَا وَالْحرَام وَأفْطر على الْحَلَال من الطَّعَام فصومه عدَّة وَعبادَة وَمن صَامَ عَن الذُّنُوب والعصيان وَأفْطر على طَاعَة الرَّحْمَن فَهُوَ صَائِم رَضِي وَمن صَامَ عَن القبائح وَأفْطر على التَّوْبَة لعلام الغيوب فَهُوَ صَائِم تَقِيّ وَمن صَامَ عَن الْغَيْبَة والبهتان وَأفْطر على تِلَاوَة الْقُرْآن فَهُوَ صَائِم رشيد وَمن صَامَ عَن الْمُنكر والإغيار وَأفْطر على الفكرة وَالِاعْتِبَار فَهُوَ صَائِم سعيد وَمن صَامَ عَن الرِّيَاء والانتقاص وَأفْطر على التَّوَاضُع وَالْإِخْلَاص فَهُوَ صَائِم سَالم وَمن صَامَ على خلاف النَّفس والهوى وَأفْطر على الشُّكْر وَالرِّضَا فَهُوَ صَائِم غَانِم وَمن صَامَ عَن قَبِيح أَفعاله وَأفْطر على تَقْصِير آماله فَهُوَ صَائِم مشَاهد وَمن صَامَ عَن طول أمله وَأفْطر على تقريب أَجله فَهُوَ صَائِم زاهد

قَالَ الله تَعَالَى {فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَو على سفر فَعدَّة من أَيَّام أخر} الْبَقَرَة 184 يَا أخي هَذِه رَحْمَة مَوْلَاك رَضِي أَن ينقص من حَقه لِئَلَّا ينقص من نَفسك وَهَذِه غَايَة اللطف من مَوْلَاك

رخص لَك أَن تفطر الْأَيَّام الطوَال بالعذر وَرخّص لَك أَن تفطر مُتَتَابِعًا وتقضي إِن شِئْت مُتَفَرقًا ليسهل عَلَيْك وتصوم الْأَيَّام الْقصار عوضا عَن الْأَيَّام الطوَال وَهَذَا الرِّفْق.

(تَمْثِيل الشُّهُور كأخوة يُوسُف)

قبل الشُّهُور الإثني عشر كَمثل أَوْلَاد يَعْقُوب عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم السَّلَام

وَشهر رَمَضَان بَين الشُّهُور كيوسف بَين إخْوَته فَكَمَا أَن يُوسُف أحب الْأَوْلَاد إِلَى يَعْقُوب كَذَلِك رَمَضَان أحب الشُّهُور إِلَى علام الغيوب.

(نكت فِي ذَلِك)

نُكْتَة حَسَنَة لأمة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن كَانَ فِي يُوسُف من الْحلم وَالْعَفو مَا غمر جفاهم حِين قَالَ {لَا تَثْرِيب عَلَيْكُم الْيَوْم} يُوسُف 92] فَذَلِك شهر رَمَضَان فِيهِ من الرأفة والبركات وَالنعْمَة والخيرات وَالْعِتْق من النَّار والغفران من الْملك القهار مَا يغلب جَمِيع الشُّهُور وَمَا اكتسبنا فِيهِ من الآثام والأوزار.

نُكْتَة حَسَنَة الْإِشَارَة فِيهِ جَاءَ إخْوَة يُوسُف معتمدين عَلَيْهِ فِي سد الْخلَل وإزاحة الْعِلَل بعد أَن كَانُوا أَصْحَاب الْخَطَايَا وزلل

فَأحْسن لَهُم الْإِنْزَال وَأصْلح لَهُم الْأَحْوَال وبلغهم غَايَة الآمال وأطعمهم فِي الْجُوع وَأذن لَهُم فِي الرُّجُوع وَقَالَ لفتيانه اجعلوا بضاعتهم فِي رحالهم لَعَلَّهُم يعرفونها فسد الْوَاحِد خلل أحد عشر

كَذَلِك شهر رَمَضَان وَاحِد والشهور أحد عشر وَفِي أَعمالنَا خلل وَأي خلل وتقصير وَأي تَقْصِير وتفريط فِي طَاعَة الْعَلِيم الْخَبِير

وَنحن نرجو أَن نتلافى فِي شهر رَمَضَان مَا فرطنا فِيهِ فِي سَائِر الشُّهُور ونصلح فِيهِ فَاسد الْأُمُور ويختمه علينا بالفرح وَالسُّرُور ونعتصم فِيهِ بِحَبل الْملك الغفور

إِن شَاءَ الله تَعَالَى بمنه وإحسانه وعفوه وغفرانه إِنَّه سميع بَصِير وَهُوَ نعم أولى وَنعم النصير.

(أَوْلَاد يَعْقُوب ورمضان)

وَإِشَارَة أُخْرَى كَانَ ليعقوب أحد عشرا ولدا ذُكُورا وَبَين يَدَيْهِ حاضرين ينظر إِلَيْهِم ويراهم ويطلع على أَحْوَالهم وَمَا يبدوا من أفعالهم وَلم يرْتَد بَصَره بِشَيْء من ثِيَابهمْ وارتد بقميص يُوسُف بَصيرًا وَصَارَ بَصَره منيرا وَصَارَ قَوِيا بعد الضعْف بَصيرًا بعد الْعَمى، فَكَذَلِك المذنب العَاصِي إِذا شم رَوَائِح رَمَضَان وَجلسَ فِيهِ مَعَ المذكرين وَقَرَأَ الْقُرْآن وصحبهم بِشَرْط الْإِسْلَام وَالْإِيمَان وَترك الْغَيْبَة وَقَول الْبُهْتَان يصير إِن شَاءَ الله مغفورا لَهُ بعد مَا كَانَ عَاصِيا وقريبا بعد مَا كَانَ قاصيا ينظر بِقَلْبِه بعد الْعَمى ويسعد بِقُرْبِهِ بعد الشقا ويقابل بِالرَّحْمَةِ بعد السخط ويرزق بِلَا مؤونة وَلَا تَعب ويوفق طول حَيَاته ويرفق بِقَبض روحه عِنْد الْوَفَاة ويفضل بالمغفرة عِنْد اللِّقَاء ويحظى فِي الْجنان بدرجات الالتقاء

فَالله الله اغتنموا هَذِه الْفَضِيلَة فِي هَذِه الْأَيَّام القليلة تعقبكم النِّعْمَة الجزيلة والدرجة الجليلة والراحة الطَّوِيلَة إِن شَاءَ الله

هَذِه وَالله الرَّاحَة الوافرة والمنزلة السائرة وَالْحَالة الرضية وَالْجنَّة السّريَّة وَالنعْمَة الهنية والعيشة الرضية لَا تنَال إِلَّا بالوقار لهَذَا الشَّهْر الَّذِي عظمه الْجَبَّار وَفضل بِهِ مُحَمَّد الْمُخْتَار وَمن لَا يوقره كَانَ مصيره إِلَى النَّار.

(موعظة لِلْحسنِ الْبَصْرِيّ)

رُوِيَ أَن الْحسن الْبَصْرِيّ مر بِقوم يَضْحَكُونَ فَوقف عَلَيْهِم وَقَالَ إِن الله تَعَالَى قد جعل شهر رَمَضَان مضمارا لخلقه يَسْتَبقُونَ فِيهِ بِطَاعَتِهِ فَسبق أَقوام ففازوا وتخلف أَقوام فخابوا فالعجب للضاحك اللاعب فِي الْيَوْم الَّذِي فَازَ فِيهِ المسارعون وخاب فِيهِ الباطلون أما وَالله لَو كشف الغطاء لاشتغل المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته

فَالله الله عباد الله اجتهدوا أَن تَكُونُوا من السَّابِقين وَلَا تَكُونُوا من الخائبين فِي شهر شرفه رب الْعَالمين

فَالله الله اصرفوا ضيفكم رَمَضَان بالكرامة واحرصوا فِيهِ على طلب طَرِيق الاسْتقَامَة إِلَى أَن يقْضِي بكم إِلَى دَار الْكَرَامَة والخلد والمقامة وسرمد الْعِزّ والكرامة وينجيكم من هول يَوْم الطامة

رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ (أحب الصَّلَاة إِلَى الله عز وَجل صَلَاة دَاوُد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَأحب الصّيام إِلَى الله تَعَالَى صِيَام دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ ينَام من اللَّيْل نصفه وَيقوم ثلثه وينام سدسه وَكَانَ يَصُوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا

(الصّيام بَاب الْعِبَادَة)

رُوِيَ عَن كَعْب الْأَحْبَار رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ لَيْسَ فِي الْعِبَادَات أفضل من الصّيام لِأَنَّهُ بَاب الْعِبَادَة

وَقد جعل الله تبَارك وَتَعَالَى هَذَا الشَّهْر الْعَظِيم كَفَّارَة للذنب وَلَيْسَ فِي الذُّنُوب إِلَّا عَظِيم لأننا إِنَّمَا نعصي بهَا الرب الْعَظِيم

وَقد قَالُوا لَا تنظر إِلَى صَغِير ذَنْبك وَلَكِن انْظُر من عصيت تَابَ الله علينا حَتَّى لَا نعصيه

فَالله الله عباد الله غضوا أبصاركم فِي هَذَا الشَّهْر الْعَظِيم وَفِي غَيره عَن النّظر إِلَى الْمَحْظُورَات واحبسوا أَلْسِنَتكُم عَن أَخذ أَعْرَاض الْمُسلمين وَالْمُسلمَات وَأَكْثرُوا فِيهِ من الصَّدَقَة على أهل المسكنة من ذَوي الْحَاجَات وَقومُوا فِي لياليكم فِيهِ بِكَثْرَة الصَّلَوَات واسكبوا من أعينكُم واكف العبرات وَتَضَرَّعُوا إِلَى الله فِي إِقَالَة العثرات عساه يُبدل سَيِّئَاتكُمْ بِالْحَسَنَاتِ

فَإِن قيل مَا الْحِكْمَة فِي فرض شهر رَمَضَان فَفِيهِ أَقْوَال أَحدهَا أَن الله تَعَالَى أمرنَا أَن نَصُوم فِيهِ ونجوع لِأَن الْجُوع ملاك السَّلامَة فِي بَاب الْأَدْيَان والأبدان عِنْد الْأَطِبَّاء والحكماء

وَقيل مَا مَلأ ابْن آدم وعَاء شَرّ من بَطْنه وَالْحكمَة ملك لَا يسكن إِلَّا فِي بَيت خَال

رُوِيَ عَن يحيى بن معَاذ رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ من شبع من الطَّعَام عجز عَن الْقيام وَمن عجز عَن الْقيام افتضح بَين الخدام وَإِذا امْتَلَأت الْمعدة رقدت الْأَعْضَاء عَن الطَّاعَات وَقَعَدت الْجَوَارِح عَن الْعِبَادَات

وأنشدوا

(تجوع فَإِن الْجُوع يُورث أَهله ... عواقب خير عَمها الدَّهْر دَائِم)

(وَلَا تَكُ ذَا بطن رغيب وشهوة ... فَتُصْبِح فِي الدُّنْيَا وقلبك هائم)

وَرُوِيَ عَن ذِي النُّون الْمصْرِيّ رَحمَه الله تَعَالَى عَلَيْهِ أَنه قَالَ تجوع بِالنَّهَارِ وقم بالأسحار تَرَ عجبا من الْملك الْجَبَّار

وَرُوِيَ عَن يحيى بن معَاذ رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ لَو كَانَ الْجُوع يُبَاع فِي السُّوق لَكَانَ المريد محقوقا إِذا دخل السُّوق أَن لَا يَشْتَرِي شَيْئا غَيره وَالله تَعَالَى قد فَضلكُمْ بدين الْإِسْلَام وَمن عَلَيْكُم بِشَهْر الصّيام وَالله أعلم

وأنشدوا

(وَرَبك لَو أَبْصرت يَوْمًا تَتَابَعَت ... عزائمهم حَتَّى لقد بلغُوا الجهدا)

(لأبصرتم قد حَاربُوا النّوم وَارْتَدوا ... بأردية السهاد واستعملوا الكدا)

(وصاموا نَهَارا دَائِما ثمَّ أفطروا ... على بلغ الأقوات واستقربوا البعدا)

(أُولَئِكَ قوم حسن الله فعلهم ... وأورثهم من حسن فعلهم الخلدا)

قيل أَمرهم الْمولى جلّ جَلَاله بالصيام لِأَنَّهُ لَيْسَ على أهل النَّار شَيْء أَشد من الْجُوع وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى يلقِي عَلَيْهِم حَتَّى ينسوا كل الْعَذَاب من شدَّة الْجُوع

فيستطعمون مَالك خَازِن النَّار فيأتيهم بِطَعَام الغصة كَمَا قَالَ الله تَعَالَى {إِن لدينا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا وَطَعَامًا ذَا غُصَّة وَعَذَابًا أَلِيمًا} المزمل 12 فيعبر فِي حُلُوقهمْ فَيَقُولُونَ إِنَّا كُنَّا نبتلع الْغصَص فِي الدُّنْيَا بِالْمَاءِ فيستسقون الْمهل كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَإِن يستغيثوا يغاثوا بِمَاء كَالْمهْلِ} الْكَهْف 29] الْآيَة

فَأمر الله تَعَالَى أمة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بصيام هَذَا الشَّهْر ليصرف عَنْهُم ذَلِك الْجُوع وَكَذَلِكَ أَمر الله تَعَالَى بصيامه سَائِر الْأُمَم فآمنت بِهِ هَذِه الْأمة وكفرت بِهِ سَائِر الْأُمَم وَهَذَا من لطف الله تَعَالَى على أمة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

وأنشدوا

(إِذا الْمَرْء لم يتْرك طَعَاما يُحِبهُ ... وَلم يعْص قلبا غاويا حَيْثُ يمما)

(قضى وطرا مِنْهُ يَسِيرا وأصبحت ... إِذا ذكرت أَمْثَاله تملأ الفما)

وَقيل فرض عَلَيْهِم صِيَام شهر رَمَضَان لِأَن الزّهْد زهدان زهد فِي الْحَلَال وزهد فِي الْحَرَام وَأَشْرَفهَا الزّهْد فِي الْحَلَال فَأَمرهمْ الله تَعَالَى بِصَوْم هَذَا الشَّهْر حَتَّى يعطيهم ثَوَاب زهد الْحَلَال وَالْحرَام

وَقيل أَرَادَ الله تَعَالَى بذلك انتباه الْأَغْنِيَاء ليعلموا حَال الْفُقَرَاء فيصوموا مَعَهم وَقيل حَتَّى يذكرُوا بِشدَّة الصَّوْم شدَّة الْقِيَامَة لِأَنَّهُ لَيْسَ على أهل الْقِيَامَة أَشد من الْجُوع وليعلموا أَنه إِذا كَانَت فِي طَاعَة الله تَعَالَى شدَّة فَإِن الْجُوع فِي النَّار أعظم شدَّة

فَالله الله عباد الله اجتهدوا فِي حفظ هَذَا الشَّهْر الْعَظِيم يَوْم يقوم النَّاس لرب الْعَالمين يَوْم يفوز فِيهِ الصَّائِم ويحشر فِيهِ المتأني المتهاون الظَّالِم إِذا عرضت عَلَيْهِ الأوزار والجرائم وانتهاك المحذورات والمحارم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت