فهرس الكتاب

الصفحة 233 من 796

{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(274)}

(فِي فَضْلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)

عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ, قَالَ: خَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بْنَ أَبِي طَالِبٍ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخَلِّفُنِي فِي النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟ قَالَ: أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى غَيْرَ أَنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدِي؟!"."

عن سهل بن سعد أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ:"لأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. قَالَ: فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا, فَقَالَ: أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟ فَقِيلَ: هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ. قَالَ فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ. فَأُتِيَ بِهِ فَبَصَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ, فَبَرَأَ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا؟ فَقَالَ:"انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ, ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ, فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ"."

عن زر ابن حُبَيْشٍ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَّا عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ لا يَبْغَضُنِي إِلا مُنَافِقٌ وَلا يُحِبُّنِي إِلا مُؤْمِنٌ.

انْفَرَدَ مُسْلِمٌ بِإِخْرَاجِ هَذَا الْحَدِيثِ وَاتَّفَقَا عَلَى الْحَدِيثَيْنِ قَبْلَهُ.

اعْلَمْ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لا يُزاحَمُ فِي قُرْبِ نَسَبِهِ وَقَدْ أَقَرَّ الْكُلُّ بِعِلْمِهِ وَفَضْلِهِ.

وَبُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ فَتَبِعَهُ, وَلَمْ يَزَلْ مَعَهُ يَكْشِفُ الْكُرُوبَ عَنْ وَجْهِهِ. وَصَعِدَ عَلَى مَنْكِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَمَى صَنَمًا.

عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ, قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَتَيْنَا الْكَعْبَةَ فَقَالَ لِي: اجْلِسْ. وَصَعِدَ عَلَى مَنْكِبِي فَذَهَبْتُ لأَنْهَضَ فَلَمْ أَقْدِرْ, فَرَأَى مِنِّي ضَعْفًا فَنَزَلَ وَجَلَسَ إِلَيَّ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقَالَ: اصْعَدْ عَلَى مَنْكِبِي. فَصَعِدْتُ عَلَى مَنْكِبِهِ. قَالَ: فَنَهَضَ بِي قَالَ: فَإِنَّهُ يُخَيَّلُ إِلَيَّ أَنِّي لَوْ شِئْتُ لَنِلْتُ أُفُقَ السَّمَاءِ, حَتَّى صَعِدْتُ عَلَى الْبَيْتِ وَعَلَيْهِ تِمْثَالُ صُفْرٍ أَوْ نُحَاسٍ, فَجَعَلْتُ أُزَاوِلُهُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ, حَتَّى إِذَا اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اقْذِفْ بِهِ. فَقَذَفْتُ بِهِ فَكُسِرَ كَمَا تَنْكَسِرُ الْقَوَارِيرُ ثُمَّ نَزَلْتُ, فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسْتَبِقُ حَتَّى تَوَارَيْنَا بِالْبُيُوتِ خَشْيَةَ أَنْ يَلْقَانَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ.

وَكَانَ الْخَلْقُ يَحْتَاجُونَ إِلَى عِلْمِ عَلِيٍّ حَتَّى قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ آهٍ مِنْ مُعْضِلَةٍ لَيْسَ لَهَا أَبُو حَسَنٍ.

فَلَمَّا وَلِيَ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنِ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَقُولُ: إِنَّ عَلِيًّا مَا زَانَتْهُ الْخِلافَةُ وَلَكِنْ هُوَ زانها.

(ما زانه الْمُلْكُ إِذْ حَوَاهُ ... بَلْ كُلُّ شَيْءٍ بِهِ يُزَانُ)

(جَرَى فَفَاتَ الْمُلُوكَ سَبْقًا ... فَلَيْسَ قُدَّامَهُ عِنَانُ)

(نَالَتْ يَدَاهُ ذُرَى مَعَالٍ ... يَعْجِزُ عَنْ مِثْلِهَا الْعِيَانُ)

عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ جَاءَهُ ابْنُ النَّبَّاحِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ امْتَلأَ بَيْتُ الْمَالِ مِنْ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ. قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ. قَالَ: فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى ابْنِ النَّبَّاحِ حَتَّى قَامَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ فَقَالَ:

(هَذَا جَنَايَ وَخِيَارُهُ فِيهِ ... وَكُلُّ جَانٍ يَدُهُ إِلَى فِيهِ)

فَأَعْطَى جَمِيعَ مَا فِي بَيْتِ الْمَالِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ يَقُولُ: يَا صَفْرَاءُ يَا بَيْضَاءُ غُرِّي غَيْرِي. حَتَّى مَا بَقِيَ فِيهِ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ ثُمَّ أَمَرَ بِنَضْحِهِ وَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ.

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي, أَنْبَأَنَا الْجَوْهِرَيُّ, أَنْبَأَنَا ابْنُ حيوية, حدثنا أحمد ابن مَعْرُوفٍ, حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهْمِ, حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ, أَنْبَأَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ, حَدَّثَنَا الْحُرُّ بْنُ جُرْمُوزٍ, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: رَأَيْتُ علياً وعليه قِطْرِيَّتَانِ إِزَارٌ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ وَرِدَاءٌ مُشَمَّرٌ, وَمَعَهُ دِرَّةٌ لَهُ يَمْشِي بِهَا فِي الأَسْوَاقِ يأمرهم بتقوى الله وحسن البيع ويقول: أوفوا الكيل والميزان.

عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ لِضِرَارِ بْنِ حمزة: صف لي علياً فقال: أو تعفني. قال: بل تصفه. فقال: أو تعفني. قَالَ: لا أُعْفِيكَ. فَقَالَ: أَمَا أَنْ لا بُدَّ فَإِنَّهُ كَانَ بَعِيدَ الْمَدَى شَدِيدَ الْقُوَى, يَقُولُ فَصْلا وَيَحْكُمُ عَدْلا, يَتَفَجَّرُ الْعِلْمُ مِنْ جَوَانِبِهِ وَتَنْطِقُ الْحِكْمَةُ مِنْ نَوَاحِيهِ, يَسْتَوْحِشُ مِنَ الدُّنْيَا وَزَهْرَتِهَا, وَيَسْتَأْنِسُ بِاللَّيْلِ وَظُلْمَتِهِ, كَانَ وَاللَّهِ غَزِيرَ الدَّمْعَةِ طَوِيلَ الْفِكْرَةِ, يَقْلِبُ كَفَّهُ وَيُخَاطِبُ نَفْسَهُ, يُعْجِبُهُ مِنَ اللِّبَاسِ مَا خَشُنَ وَمِنَ الطَّعَامِ مَا جَشَبَ, كَانَ وَاللَّهِ كَأَحَدِنَا يُجِيبُنَا إِذَا سَأَلْنَاهُ وَيَبْتَدِئُنَا إِذَا أَتَيْنَاهُ, وَيَأْتِينَا إِذَا دَعَوْنَاهُ, وَنَحْنُ وَاللَّهِ مَعَ تَقْرِيبِهِ لَنَا وَقُرْبِهِ مِنَّا لا نُكَلِّمُهُ هَيْبَةً لَهُ وَلا نَبْتَدِيهِ تَعْظِمَةً, فَإِنْ تَبَسَّمَ فَعَنْ مِثْلِ اللُّؤْلُؤِ الْمَنْظُومِ, يُعَظِّمُ أَهْلَ الدِّينِ وَيُحِبُّ الْمَسَاكِينَ, لا يَطْمَعُ القوي في باطله ولا ييأس الضَّعِيفُ مِنْ عَدْلِهِ, فَأَشْهَدُ بِاللَّهِ لَرَأَيْتُهُ فِي بَعْضِ مَوَاقِفِهِ وَقَدْ أَرْخَى اللَّيْلُ سُجُوفَهُ وَغَارَتْ نُجُومُهُ, وَقَدْ مَثُلَ فِي مِحْرَابِهِ قَابِضًا عَلَى لِحْيَتِهِ يَتَمَلْمَلُ تَمَلْمُلَ السَّلِيمِ وَيَبْكِي بُكَاءَ الْحَزِينِ وَكَأَنِّي أَسْمَعُهُ وَهُوَ يَقُولُ: يَا دُنْيَا يَا دُنْيَا أَبِي تَعَرَضْتِ أَمْ بِي تَشَوَّفْتِ؟ هَيْهَاتَ غُرِّي غَيْرِي, قَدْ بَتَتْكِ ثَلاثًا لا رَجْعَةَ لِي فِيكِ, فَعُمْرُكِ قَصِيرٌ وَعَيْشُكِ حَقِيرٌ وَخَطَرُكِ كَبِيرٌ, آهٍ مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ وَبُعْدِ السَّفَرِ وَوَحْشَةِ الطَّرِيقِ.

قَالَ: فَذَرَفَتْ دُمُوعُ مُعَاوِيَةَ فَمَا يَمْلِكُهَا وَهُوَ يُنَشِّفُهَا بِكُمِّهِ, وَقَدِ اخْتَنَقَ الْقَوْمُ بِالْبُكَاءِ, ثُمَّ قَالَ مُعَاوِيَةُ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا الْحَسَنِ! كَانَ وَاللَّهِ كَذَلِكَ, فَكَيْفَ حُزْنُكَ عَلَيْهَ يَا ضِرَارُ؟ قَالَ: حُزْنُ مَنْ ذُبِحَ وَلَدُهَا فِي حِجْرِهَا فَلا تَرْقَأُ عَبْرَتُهَا وَلا يَسْكُنُ حزنها.

وأنشدوا:

(أَهْوَى عَلِيًّا وَإِيمَانٌ مُحَبَّتُهُ ... كَمْ مُشْرِكٍ دَمُهُ مِنْ سَيْفِهِ وَكَفَا)

(إِنْ كُنْتَ وَيْحَكَ لَمْ تَسْمَعْ مَنَاقِبَهُ ... فَاسْمَعْ مَنَاقِبَهُ من"هل أتى"وكفى)

كان عليه السلام خَلِيقًا بِالسِّيَادَةِ, إِنْ نَظَرْتَ فِي عِلْمِهِ فَقَدِ احْتَاجَ إِلَيْهِ السَّادَةُ, وَإِنْ نَظَرْتَ فِي زُهْدِهِ فَلا فِرَاشٌ وَلا وِسَادَةٌ.

(وَحَنَّ إِلَيْهِ الْمُلْكُ عِنْدَ وِلادِهِ ... وَصَافَحَ كَفَّاهُ النَّدَى وَهُوَ فِي الْمَهْدِ)

(وَأَحْكَمَهُ التَّجْرِيبُ كَهْلا وَيَافِعًا ... يَنْقُلُهُ مِنْ شَأْوِ مَجْدٍ إِلَى مَجْدِ)

(تَنَقَّلَ مِنْهُ رُتْبَةً بَعْدَ رُتْبَةٍ ... كَمَا ازْدَادَ طُولُ الرُّمْحِ عَقْدا عَلَى عَقْدِ)

(وَلَمْ يَرَ إِلا الْكَدَّ رَاحَةَ نَفْسِهِ ... وَنَيْلُ الْمُنَى يُنْسِي الْفَتَى تَعَبَ الْكَدِّ)

(إِذَا لاحَظَ الْغَايَاتِ عَادَتْ فَرِيسَةً ... مُقَيَّدَةً مِنْ نَاظِرِ الأَسَدِ الْوَرْدِ)

كَانَ يُشْبِهُ الْقَمَرَ الزَّاهِرَ وَالْبَحْرَ الزَّاخِرَ وَالأَسَدَ الْحَادِرَ وَالرَّبِيعَ الْبَاكِرَ, أَشْبَهَ مِنَ الْقَمَرِ ضَوْءَهُ وَبَهَاءَهُ, وَمِنَ الْغُرَابِ حَذَرَهُ وَمِنَ الدِّيكِ سَخَاءَهُ, وَمِنَ الأَسَدِ شَجَاعَتَهُ وَمَضَاءَهُ, وَمِنَ الرَّبِيعِ خِصْبَهُ وَمَاءَهُ.

(لا لاؤُهُ وَمَضَاؤُهُ ... وَغِنَاؤُهُ فِي كُلِّ مَشْهَدْ)

(فَمَتَى رَأَى زَلَلا أَقَالَ ... وَإِنْ رَأَى خَلَلا تَغَمَّدْ)

(وَيَخَافُهُ الْقَوْمُ الْبَرَاءُ ... وَلا أَخَافَ وَلا تَهَدَّدْ)

(لَكِنَّهُ لَبِسَ الْمَهَابَةَ ... فَالْفَرَائِصُ مِنْهُ تَرْعَدْ)

(وَإِذَا ارْتَأَى فَكَمَنْ رَأَى ... وَإِذَا سَهَا فَكَمَنْ تَفَقَّدْ)

(وَإِذَا تَأَمَّلْ أَمْرَهُ ... فَهُوَ الشِّهَابُ إِذَا تَوَقَّدْ)

(هَذَا لَعَمْرُكَ سُؤْدَدٌ ... لَكِنَّهُ أيضاً مُؤَكَّدْ)

كَانَ يُظَنُّ فِي الْكَرَمِ بَحْرًا وَيُحْسَبُ لَفْظُهُ لِلْحُسْنِ سِحْرًا إِذَا أَنْشَأَ فَصْلا رَأَيْتَهُ يَقُولُ فَصْلا, وَإِذَا أَصَلَّ أَصْلَى, لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ مِثْلُهُ أَصْلا, كَانَ يَقُولُ فِي صِفَةِ نَفْسِهِ:

(إِذَا الْمُشْكِلاتُ تَصَدَّيْنَ لِي ... كَشَفْتُ حَقَائِقَهَا بِالنَّظَرْ)

(وَإِنْ رَقِيَتْ فِي مَحَلِّ الصَّوَابِ ... عَمْيَاءُ لا يجليها الْبَصَرْ)

(مُقَنَّعَةٌ بِغُيُوبِ الأُمُورِ ... وَضَعْتُ عَلَيْهَا صَحِيحَ الْفِكَرْ)

(لِسَانٌ كَشِقْشِقَةِ الأَرْحَبِيِّ ... أَوْ كَلِسَانِ الْحُسَامِ الذَّكَرْ)

بَادَرَ الْفَضَائِلَ فَكَانَ فِي الأَوَائِلِ, وَخَاضَ بحر الشجاعة فلم يرض بساحل, وحاز لعلوم فَحَارَ لِجَوَابِهِ السَّائِلُ, وَلازَمَ السَّهَرَ لِيَسْمَعَ: {هَلْ مِنْ سَائِلٍ} وَزَهِدَ فِي الدُّنْيَا لأَنَّهَا أَيَّامٌ قلائل.

(القائد الخيل ترغيها شَكَائِعَهَا ... وَالْمُطْعِمُ الْبُزْلَ بِالدَّيْمُومَةِ الْقَاعِ)

(مَا بَاتَ إلا على هم ولا اغتمضت ... عَيْنَاهُ إِلا عَلَى عَزْمٍ وَإِزْمَاعِ)

(خَطِيبُ مَجْمَعَةٍ تَغْلِي شَقَاشِقُهُ ... إِذَا رَمَوْهَ بِأَبْصَارٍ وَأَسْمَاعِ)

(يُذَوِّقُ بِالْعَيْنِ طَعْمَ النَّوْمِ مَضْمَضَةً ... إِذَا الْجَبَانُ مَلا عَيْنًا بِتِهْجَاعِ)

سُبْحَانَ مَنْ جُمِعَ لَهُ الْمَنَاقِبُ والفضائل, بَحْرٌ مِنَ الْبَرَاعَةِ وَنَجْمٌ مِنَ الشَّجَاعَةِ ثَاقِبٌ

(مجلى الكروب وليث الحروب ... في الرهج الأسطع الأَصْهَبِ)

(وَبَحْرُ الْعُلُومِ وَغَيْظُ الْخُصُومِ ... مَتَى يَصْطَرِعُ وَهُمُ يَغْلَبِ)

(يُقَلِّبُ فِي فَمِّهِ مِقْوَلا ... كَشِقْشِقَةِ الْجَمَلِ الْمُصْعَبِ)

(وَكَانَ أَخًا لِنَبِيِّ الْهُدَى ... وَخُصَّ بِذَاكَ فَلا يَكْذِبِ)

(وَفِي لَيْلَةِ الْغَارِ وَافَى النَّبِيَّ ... عِشَاءً إِلَى الْفَلَقِ الأَشْهَبِ)

(وَبَاتَ دُوَيْنَهُ فِي الْفِرَاشِ ... مُوَطِّنَ نَفْسٍ عَلَى الأَصْعَبِ)

(وَعَمْرُو بْنُ وُدٍّ وَأَحْزَابُهُ ... سَقَاهُمْ حِسَا الْمَوْتِ فِي يَثْرِبِ)

(وَسَلْ عَنْهُ خَيْبَرَ ذَاتَ الْحُصُونِ ... تُخَبِّرْكَ عَنْهُ وَعَنْ مَرْحَبِ)

(وَسِبْطَاهُ جَدُّهُمَا أَحْمَدُ ... فَبِخٍ فبخ بِجَدِّهِمَا وَالأَبِ)

كَانَ بَعِيرُ خَوْفِهِ إِذَا جَنَّ اللَّيْلُ أَطَّ, وَمُوسَى وِلايَتِهِ إِذَا رَأَى خَرَاجَ ظُلْمٍ بَطَّ, يَرْمِي إِلَى جَوْفِهِ لُقَمَ الشَّعِيرِ لا الدَّجَاجَ وَلا الْبَطَّ, تَزَيَّنَتِ الدُّنْيَا لِبَاسَهَا

فَمَزَّقَ لِبَاسَهَا وَعَطَّ, كَانَ إِذَا عَلا كَرْبُ الْكَرْبِ عَلا عَلَيْهِ وَحَطَّ, مَا بُرِيَ قَلَمُ رَأْسٍ مِنْ رُؤَسَاءِ الْكُفْرِ قَطُّ إِلا قَطَّ, رَقَمَ الْجِهَادَ فِي وَجْهِهِ الْكَرِيمِ ضَرَبَهُ فِي الزَّمَانِ كُلِّهِ وَخَطَّ, فَيَا حُسْنَهُ مِنْ مَكْتُوبٍ وَيَا شَرَفَهُ مِنْ خَطٍّ, كَانَ يَفْتَخِرُ بِأُخُوَّةِ الرَّسُولِ وَيَحِقُّ لَهُ مَا اشْتَطَّ.

(كَرِيمُ النِّجَارِ عفيف الإزار ... حوى المكرمات وشادا الْفِخَارَا)

(أَعَادَ وَأَبْدَى وَلِلْفَضْلِ أَسْدَى ... وَلِلْقَرْنِ أَرْدَى وَلِلرِّيحِ بَارَى)

(كَرِيمُ الصَّنِيعَةِ ضَخْمُ الدَّسِيعَةِ ... سَهْلُ الشَّرِيعَةِ لَمْ يَأْتِ عَارَا)

(غِنًى لِلْفَقِيرِ وَنِعْمَ النَّصِيرُ ... إِذَا الْمُسْتَجِيرُ إِلَيْهِ اسْتَجَارَا)

(يَخُوضُ الْغِمَارَ وَيَحْمِي الذِّمَارَ ... وَيَبْنِي الْفِخَارَ وَيَرْعَى الْجِوَارَا)

طَالَتْ عليه أيام الحياة وكان يستبطئ الْقَاتِلَ حُبًّا لِلِقَاءِ رَبِّهِ, فَيَقُولُ: مَتَى يُبْعَثُ أَشْقَاهَا, وَجِيءَ إِلَيْهِ فَقِيلَ لَهُ: خُذْ حَذَرَكَ فَإِنَّ النَّاسَ يُرِيدُونَ قَتْلَكَ. فَقَالَ: إِنَّ الأَجَلَ جُنَّةٌ حَصِينَةٌ. فَلَمَّا خَرَجَ لِصَلاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ قُتِلَ أُلْهِمَ أَنْ تَرَنَّمَ:

(اشْدُدْ حَيَازِيمَكَ لِلْمَوْتِ ... فَإِنَّ الْمَوْتَ لاقِيكَ)

(وَلا تَجْزَعْ مِنَ الْمَوْتِ ... إِذَا حَلَّ بِوَادِيكَ)

أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ, أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ, أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ, حَدَّثَنَا عبد الله ابن أحمد, حدثني أبي, حدثنا وَكِيعٌ, عَنْ شَرِيكٍ, عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, عَنْ هُبَيْرَةَ قَالَ خَطَبَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَقَالَ: لَقَدْ فَارَقَكُمْ رَجُلٌ بِالأَمْسِ لَمْ يَسْبِقْهُ الأَوَّلُونَ بِعِلْمٍ وَلَمْ يُدْرِكْهُ الآخَرُونَ, كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْعَثُهُ بِالرَّايَةِ جِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِهِ وَمِيكَائِيلُ عَنْ شِمَالِهِ, فَلا يَنْصَرِفُ حَتَّى يُفْتَحَ لَهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت