فهرس الكتاب

الصفحة 273 من 796

{يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ(30)}

يجد الطائع الثَّوَاب ويجد الْفَاسِق الْعَذَاب يجد الْمُؤمن لَذَّة الْوِصَال بِالنّظرِ إِلَى الْكَبِير المتعال فِي دَار الْخلد والجلال ويجد الْكَافِر الْعَذَاب والنكال والسلاسل والأغلال والجحيم والخبال وفظاعة الْأَهْوَال {يَوْم تَجِد كل نفس مَا عملت} [سورة آل عمرَان 30] يجد الْمُؤمن النَّعيم والكرامة والأمن فِي الْقِيَامَة والعافية والسلامة والحلول فِي دَار المقامة ويجد الْكَافِر الخزي والندامة وَالْعَذَاب والملامة {يَوْم تَجِد كل نفس مَا عملت} [سورة آل عمرَان 30] يجد الْمُؤمن الدَّرَجَات ويجد الْكَافِر الْعُقُوبَات يجد الْمُؤمن السرُور ويجد الْفَاجِر الثبور يجد الْمُؤمن النَّعيم وَالْخُلُود ويجد الْفَاجِر عذَابا غير مَرْدُود ويجد الْمُؤمن مَا قدم من الْإِحْسَان فِي دَرَجَات الْجنان فِي جوَار الرَّحْمَن مَعَ الْخيرَات الحسان، ويجد الْفَاجِر مَا عمل من الْعِصْيَان فِي سموم النيرَان فِي جوَار الشَّيْطَان مَعَ الذل والهوان

يَوْم تَجِد كل نفس مَا عملت فِي يَوْم هائل عَظِيم يَوْم تكْثر فِيهِ الغموم وتعظم فِيهِ الهموم ويفصل الرب بَين عباده وَهُوَ الْحَيّ القيوم {يَوْم تَجِد كل نفس} [سورة آل عمرَان 30] يَوْم تندم على القبائح وتتأسف عِنْد مُعَاينَة الفضائح وتوجد الْأَعْمَال فِي الصحائف الصحائح

{يَوْم تَجِد كل نفس} [سورة آل عمرَان 30] يَوْم ينْدَم الظَّالِم ويخسر الآثم وَيكون الْجَبَّار جلّ جَلَاله فِي ذَلِك الْيَوْم الْعدْل الْحَاكِم ذَلِك يَوْم الندامة وَالْحَسْرَة والأهوال وَالْعبْرَة

وأنشدوا

(يَا وَاحِدًا صمدا بِغَيْر قرين ... ارْحَمْ ضراعة عَبدك الْمِسْكِين)

(واعطف عَليّ إِذا وقفت مروعا ... حيران بَين يَديك يَوْم الدّين)

(يَا حسرتي بَين الْعباد إِذا همو ... خَافُوا الْحساب فخف عَنْهُم دوني)

(مَا حيليتي فِي يَوْم نشر صحيفتي ... إِذْ قيل لي خُذْهَا بِغَيْر يَمِين)

(مَا حيلتي عِنْد الْحساب وهوله ... إِذْ قصرت بِي قوتي ويقيني)

(لَا حِيلَة عِنْدِي وَلَا لي موثل ... إِن خانني طمعي وَحسن ظنوني)

(يَا رب لَا تتْرك عبيدك هَالكا ... وَارْحَمْ بِفَضْلِك عبرتي وشئوني)

{يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا} [سورة آل عمرَان 30] أَي تَجدهُ حَاضرا عتيدا وتسأل عَن أعمالك سؤالا شَدِيدا {وَمَا عملت من سوء تود لَو أَن بَينهَا وَبَينه أمدا بَعيدا}

قيل الأمد الْبعيد الَّذِي يود من عمل سوءا وَعصى مَوْلَاهُ أَن يكون بَينه وَبَين عمله السوء كَمَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب

وَقيل الأمد الْبعيد الْغَايَة فِي الْبعد الَّذِي يتَمَنَّى أَنه تَابَ فِي الدُّنْيَا وتبدل الشَّرّ بِالْخَيرِ حَتَّى يمحي عَنهُ السوء بِالتَّوْبَةِ فَلَا يرَاهُ وَلَا يسمعهُ وَلَا يُعَاقب عَلَيْهِ إِذا رأى التائبين غفر لَهُم بِالتَّوْبَةِ وبدلت سيئاتهم بِالْحَسَنَاتِ والأوبة كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَالَّذين لَا يدعونَ مَعَ الله إِلَهًا آخر وَلَا يقتلُون النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يزنون} [سورة الْفرْقَان 68] الْآيَة.

(مَا تحويه الْآيَة)

يَا أهل الذُّنُوب تدبروا هَذِه الْآيَة فَإِن فِيهَا بلاغة لمن تذكر وزجرا لمن اعْتبر وتخويفا لمن تدبر ونهيا لمن تفكر

فالفكرة عبَادَة وَخير وَزِيَادَة لِأَن مولاكم الْكَرِيم قد خوفكم وهددكم وزجركم بهَا زجرا شَدِيدا فَقَالَ {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عملت من سوء تود لَو أَن بَينهَا وَبَينه أمدا بَعيدا} [سورة آل عمرَان 30] ثمَّ قَالَ {ويحذركم الله نَفسه} [سورة آل عمرَان 30] أَي يحذركم عِقَابه وعذابه إِذا عصيتموه ويجزل لكم ثَوَابه إِذا أطعتموه فَلَا يحقرن أحدكُم من الذُّنُوب شَيْئا وَإِن صغر فَرُبمَا كَانَ فِيهِ شدَّة الْعَذَاب وَالْعِقَاب وَلَا يحقرن أحدكُم حَسَنَة يعملها وَإِن قلت فَرُبمَا كَانَ فِيهِ الرِّضَا من الْملك الْوَهَّاب

وَاعْلَمُوا أَن الذَّنب الَّذِي يحقره صَاحبه يكون يَوْم الْقِيَامَة فِي ميزَان فَاعله أثقل من جبال الأَرْض فازجر نَفسك عَن غيها وَقدم فِي حياتك ليَوْم فقرك

وَالْأَصْل فِي الذَّنب الصَّغِير أَن يكون سَببا لدُخُول صَاحبه فِي النَّار

إِن العَبْد الْمَغْرُور يعْمل الذَّنب ويحقره وَلَا يفكر فِي من قد عَصَاهُ وَهُوَ الْجَبَّار جلّ جَلَاله فَعِنْدَ ذَلِك يغْضب عَلَيْهِ مَوْلَاهُ وَيَقُول لَهُ عَبدِي حقر ذَنبه واستخف بحقي وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لأعذبنه عَلَيْهِ بالنَّار وَمن تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ وَغفر لَهُ بِالتَّوْبَةِ

وَقد قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (إيَّاكُمْ ومحقرات الذُّنُوب فَإِن لَهَا من الله طَالبا) قَالَ الله سُبْحَانَهُ {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عملت} [سورة آل عمرَان 30] الْآيَة

وأنشدوا

(قد ذهب الْحَيّ إِلَى عرسه ... وعذب الْمَيِّت فِي رمسه)

(مُرْتَهن النَّفس بأعمالها ... لَا يَأْمَن الْإِطْلَاق من حَبسه)

(لنَفسِهِ صَالح أَعمالهَا ... وَمَا سوى هَذَا على نَفسه)

(حِكَايَة عَن أحد الصَّالِحين)

حُكيَ أَن الْمَنْصُور بن عمار رَحمَه الله دخل على عبد الْملك بن مَرْوَان فَقَالَ لَهُ عبد الْملك يَا مَنْصُور مَسْأَلَة وَقد أمهلتك سنة كَامِلَة من أَعقل النَّاس وَمن أَجْهَل النَّاس؟

قَالَ فَخرج مَنْصُور إِلَى بعض الفضاء من الْقصر ليخرج فَإِذا الْجَواب قد حَضَره فَرجع إِلَى عبد الْملك فَقَالَ لَهُ عبد الْملك يَا مَنْصُور مَا الَّذِي ردك إِلَيْنَا؟ قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَعقل النَّاس محسن خَائِف وأجهل النَّاس مسيء آمن.

فبكي أَمِير الْمُؤمنِينَ حَتَّى بل ثِيَابه بدموعه ثمَّ قَالَ أَحْسَنت وَالله يَا مَنْصُور، ثمَّ قَالَ لَهُ اقرأ عَليّ شَيْئا من كتاب الله فَهُوَ الشِّفَاء لما فِي الصُّدُور وَهُوَ الدَّوَاء والنور

فَقَرَأَ أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا} [سورة آل عمرَان 30] الْآيَة

فَقَالَ عبد الْملك قتلتني يَا مَنْصُور ثمَّ غشي عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاق قَالَ لَهُ يَا مَنْصُور مَا معنى {ويحذركم الله نَفسه} [سورة آل عمرَان 30] قَالَ مَنْصُور عُقُوبَته يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَبكى عبد الملك ثمَّ أَفَاق فَبكى مرّة أُخْرَى ثمَّ قَالَ يَا مَنْصُور وَمَا معنى {رؤوف بالعباد} [سورة آل عمرَان 30] قَالَ رَحِيم غفار لمن تَابَ وأناب.

قَالَ وَمَا وَمعنى {مَا عملت من خير محضرا} [سورة آل عمرَان 30] قَالَ كل صَغِيرَة وكبيرة يجدهَا العَبْد يَوْم الْقِيَامَة لم يغْفر الله مِنْهَا شَيْئا

فَبكى عبد الْملك حَتَّى غشي عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاق قَالَ إِن وَالله من فكر فِي هَذِه الْآيَة وَعصى مَوْلَاهُ بعد ذَلِك لقد ضل ضلالا بَعيدا وأنشدوا

(بَكَيْت على عظم الذُّنُوب وغزرها ... وَمَا قل من يبكي لعظم سُؤَاله)

(تفكر فِي عظم السُّؤَال وهوله ... وتندب دهرا زَاد قبح فعاله)

(لَعَلَّ إِلَه الْعَرْش يرحم عَبده ... ويمنحه فِي الْحَشْر طول وصاله)

(وَيغْفر مَا قد كَانَ فِي طول جَهله ... ويسكنه بِالْعَفو دَار جَلَاله)

(وَإِن نظر الرب الْعَظِيم جَلَاله ... فَذَاك جسيم من جزيل نواله)

{تَجِد كل نفس مَا عملت من خير محضرا} [سورة آل عمرَان 30] تَجِد وَالله كل نفس مَا قدمت فِي الْأَيَّام من الطَّاعَات والإجرام

ذَلِك يَوْم المصائب وَيَوْم النوائب وَيَوْم الْعَجَائِب

يَوْم هتك الأستار يَوْم تسعر فِيهِ النَّار يَوْم يفوز فِيهِ الْأَبْرَار ويندم فِيهِ الْفجار وَتعرض الْعباد على الْوَاحِد القهار

فالعجب كل الْعجب مِمَّن قطع عمره فِي الأغفال وضيع أَيَّامه فِي الْمحَال وأفنى شبابه فِي الضلال وَلم يعْمل بِمَا فِي كتاب ذِي الْمجد والجلال قَالَ الله الْكَبِير المتعال {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا} [سورة آل عمرَان 30] يَقُول الله تَعَالَى يَا ابْن آدم تطلب موعظة سَاعَة وتقيم على الذَّنب سنة وأنشدوا

(مَا بَال قَلْبك باللذات قد شغفا ... وَعَن فَوَات صَوَاب الْفِعْل مَا أسفا)

(وَقد توعده الْجَبَّار خالقنا ... وبالذنوب وبالعصيان قد كلفا)

وَاعْلَمُوا أَن الله تبَارك وَتَعَالَى مسائلكم عَن الْكَبِيرَة وَالصَّغِيرَة والخفية والسريرة وَعَن كل مَا قل وَمَا دق وَمَا جلّ لَا يغْفل عَن شَيْء يجد العَبْد مَا عمل حَاضرا وَيجْزِي بِهِ وافرا وَيسْأل عَمَّا عمل سرا وظاهرا {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا} تَجِد وَالله الْقَلِيل وَالْكثير والنقير والذرة والقطمير

وأنشدوا

(وَالله لَو بكينا طول الْأَيَّام ... بدمع هامل سجام)

(وفررنا من الْأَهْل والأوطان ... إِلَى الْجبَال والآكام)

خوفًا من ذَلِك الْمقَام لَكِن ذَلِك لنا قَلِيلا خوفًا من سُؤال الْملك العلام

فَكيف وَنحن لَا نفيق من الغفلات وَلَا ننتبه من السكرات، وَلَا نَخَاف يَوْمًا نجد فِيهِ الْحَسَنَات والسيئات ونسأل عَن الْمَظَالِم والتبعات كَمَا قَالَ الَّذِي فطر الأَرْض وَالسَّمَوَات {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا} .

(سُؤال الله تَعَالَى للعباد)

رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ (إِن الله تَعَالَى يَخْلُو بِعَبْدِهِ يَوْم الْقِيَامَة لَيْسَ بَينه وَبَينه حجاب وَيَقُول لَهُ عَبدِي عملت كَذَا وَكَذَا فِي يَوْم كَذَا أما علمت أَنِّي مطلع عَلَيْك يَا عَبدِي أفجعلتني أَهْون الناظرين إِلَيْك أما استحييت مني أما استحيت من ملائكتي أما خفت من عقابي عَبدِي أرويتك من المَاء الْبَارِد وقويت جسمك ووسعت عَلَيْك من سَعَة رفدي فعصيتني حَتَّى إِن العَبْد ليذوب حَيَاء من الله ويغمره الْعرق حَتَّى يكَاد يَمُوت من الْفَزع ثمَّ يَقُول العَبْد يَا رب النَّار أَهْون عَليّ من حيائي مِنْك وَمن الْعباد

فيأمر الله تَعَالَى بِهِ إِلَى النَّار فيمضي العَبْد وَهُوَ يرد رَأسه وَيَقُول يَا رب وَعزَّتك وجلالك مَا عصيت بِهَذَا كُله اسْتِخْفَافًا بحقك وَمَا ظَنَنْت بك إِلَّا أَن تغْفر لي كَمَا سترت عَليّ فِي الدُّنْيَا وَقد أيقنت أَن عصياني ذَلِك لَا يَضرك وَأَن رحمتك لي لَا تنقصك

فَيَقُول الله تبَارك وَتَعَالَى عَبدِي صدقت لم تقطع رجاءك من رَحْمَتي

فَوَعِزَّتِي وَجَلَالِي لأغفرن لَك الْيَوْم يَا ملائكتي مروا بعبدي إِلَى الْجنَّة

وَمن الْعباد من يَقُول يَا رب الْعَذَاب عَليّ أَهْون من توبيخك لي أرسل بِي إِلَى النَّار كَمَا يفعل بِالْعَبدِ الْآبِق عَن مَوْلَاهُ

فَيَقُول الله تبَارك وَتَعَالَى عَبدِي مَا وبختك إِلَّا لأعرفك أَن ذنوبك بعيني إِذْ عصيني بهَا وَجعلت توبيخي لَك كَفَّارَة لذنوبك وَقد غفرتها لَك وَقد رحمتك وَأَنا أرْحم الرَّاحِمِينَ مروا بعبدي إِلَى الْجنَّة

جعلنَا الله وَإِيَّاكُم من أهل الْجنَّة أَجْمَعِينَ وتوفانا برحمته مُسلمين وَختم لنا عِنْد فِرَاق الدُّنْيَا بِحسن الخاتمة وَكلمَة التَّقْوَى قَول لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى آله وَشرف وكرم وحشرنا مَعَه فِي الْمقَام الْأَعْظَم مَعَ أَصْحَابه وأزواجه الْكِرَام أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ آمين يَا رب الْعَالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت