فهرس الكتاب

الصفحة 252 من 796

{وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ(281)}

يا أسير دنياه، يا عبد هواه، يا موطن الخطايا، ويا مستودع الرزايا، اذكر ما قدّمت يداك، وكن خائفا من سيدك ومولاك أن يطّلع على باطن زللك وجفاك، فيصدك عن بابه، ويبعدك عن جنابه، ويمنعك عن مرافقة أحبابه، فتقع في حضرة الخذلان، وتتقيد بشرك الخسران، وكلما رمت التخلص من غيّك وعناك، صاح بك لسان الحال وناداك:

إليك عنا فما تحظى بنجوانا ... يا غادرا قد لها عنا وقد خانا

أعرضت عنا ولم تعمل بطاعتنا ... وجئت تبغي الرضا والوصل قد بانا

بأي وجه نراك اليوم تقصدنا ... وطال ما كنت في الأيام تنسانا

يا ناقض العهد ما في وصلنا طمع ... إلا لمجتهد بالجدّ قد دانا

يا من باع الباقي بالفاني، أما ظهر لك الخسران، ما أطيب أيام الوصال، وما أمرّ أيام الهجران، ما طاب عيش القوم حتى هجروا الأوطان، وسهروا الليالي بتلاوة القرآن فيبيتون لربهم سجدا وقياما.

(موعظة)

إِخْوَانِي: الأَيَّامُ لَكُمْ مَطَايَا, فَأَيْنَ الْعُدَّةُ قَبْلَ الْمَنَايَا, أَيْنَ الأَنَفَةُ مِنْ دَارِ الأَذَايَا, أَيْنَ الْعَزَائِمُ؟ أَتَرْضَوْنَ الدَّنَايَا, إِنَّ بَلِيَّةَ الْهَوَى لا تُشْبِهُ الْبَلايَا, وَإِنَّ خَطِيئَةَ الإِصْرَارِ لا كَالْخَطَايَا, وَسَرِيَّةَ الْمَوْتِ لا تُشْبِهُ السَّرَايَا, وَقَضِيَّةَ الأَيَّامِ لا كَالْقَضَايَا, رَاعِي السَّلامَةِ يَقْتُلُ الرَّعَايَا رَامِي التَّلَفِ يُصْمِي الرَّمَايَا, مَلَكُ الْمَوْتِ لا يَقْبَلُ الْهَدَايَا, يَا مَسْتُورِينَ سَتَظْهَرُ الْخَبَايَا.

اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ خَجَلا مِنَ الْعَثَرَاتِ, ثُمَّ اسْكُبُوا حُزْنًا لَهَا الْعَبَرَاتِ, عَجَبًا لِمُؤْثِرِ الْفَانِيَةِ عَلَى الْبَاقِيَةِ, وَلِبَائِعِ الْبَحْرِ الْخِضَمِّ بِسَاقِيَةٍ, وَلِمُخْتَارِ دَارِ الْكَدَرِ عَلَى الصَّافِيَةِ, وَلِمُقَدِّمِ حُبِّ الأَمْرَاضِ عَلَى الْعَافِيَةِ, أَيُّهَا الْمُسْتَوْطِنُ بَيْتَ غُرُورِهِ تَأَهَّبْ لإِزْعَاجِكَ, أَيُّهَا الْمُسْرُورُ بِقُصُورِهِ تَهَيَّأْ لإِخْرَاجِكَ, خُذْ عُدَّتَكَ وَقُمْ فِي قَضَاءِ حَاجَتِكَ قَبْلَ فِرَاقِ أَوْلادِكَ وَأَزْوَاجِكَ, مَا الدُّنْيَا دَارُ مَقَامِكَ, بَلْ حَلْبَةُ إِدْلاجِكَ:

(أَيُّهَا النَّاكِبُ عَنْ نَهْجِ الْهُدَى ... وَهُوَ بَادٍ وَاضِحٌ لِلسَّالِكِينْ)

(إِلْهُ عَنْ ذِكْرِ التَّصَابِي إِنَّهُ ... سَرَفٌ بَعْدَ بُلُوغِ الأَرْبَعِينْ)

(وَاجْعَلِ التَّقْوَى مَعَاذًا تَحْتَمِي ... بِحِمَاهُ إِنَّهُ حِصْنٌ حَصِينْ)

(وَاسْأَلِ اللَّهَ تَعَالَى عَفْوَهُ ... وَاسْتَعِنْهُ إِنَّهُ خَيْرُ مُعِينْ)

أَتَأْمَنُ بَطْشَ ذِي الْبَطْشِ, وَتُبَارِزُهُ عَالِمًا بِرُؤْيَتِهِ وَلَمْ تَخْشَ, يَا مَنْ إِذَا وَزَنَ طَفَّفَ وَإِذَا بَاعَ غش, أنسيت النزول فِي بَيْدَاءِ الدَّبِيبِ وَالْوَحْشِ, أَنَسِيتَ الْحُلُولَ فِي لَحْدٍ خَشِنِ الْفَرْشِ, يَا مُغْتَرًّا بِزُخْرُفِ الْهَوَى قَدْ أَلْهَاهُ النَّقْشُ, إِذَا جَنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ فَعَلَى مَنِ الأَرْشُ, يَا مَنْ إِذَا جَاءَ الْفَرْضُ الْتَوَى وَإِذَا حَانَ اللَّهْوُ هَشَّ, يَا من لا يصبر لِلْقَضَاءِ وَلَوْ عَلَى خَدْشٍ, كُنْ مُسْتَيْقِظًا فَإِنَّكَ بِعَيْنِ ذِي الْعَرْشِ:

(تَعَلَّلُ بِالآمَالِ وَالْمَوْتُ أَسْرَعُ ... وَتَغْتَرُّ بِالأَيَّامِ وَالْوَعْظُ أَنْفَعُ)

(وَمَا الْمَرْءُ إِمَّا لَمْ يَمُتْ فَهُوَ ذَائِقٌ ... فِرَاقَ الأَخِلاءِ الَّذِي هُوَ أَوْجَعُ)

(فَوَدِّعْ خَلِيلَ النَّفْسِ قَبْلَ فِرَاقِهِ ... فَمَا النَّاسُ إِلا ظَاعِنٌ أَوْ مُوَدِّعُ)

يَا حَزِينًا عَلَى فِرَاقِ مَوْتَاهُ, كَئِيبًا لِمَطْلُوبِ مَا وَاتَاهُ, كَأَنَّهُ بِالْمَوْتِ قَدْ أَتَاهُ, فَأَلْحَقَهُ مَا أباه أباه, ووافاه ما أطيق فَاهُ فَمَا فَاهَ:

(يَا كَثِيرَ الْحِرْصِ مَشْغُولا ... بِدُنْيَا لَيْسَ تَبْقَى)

(مَا رَأَيْنَا الْحِرْصَ أَدْنَى ... مِنْ حَرِيصٍ قَطُّ رِزْقَا)

(لا وَلَكِنْ فِي قَضَاءِ اللَّهِ ... أَنْ نَعْنَى وَنَشْقَى)

(قَدْ رَأَيْنَا الْمَوْتَ أَفْنَى ... قَبْلَنَا خَلْقًا فَخَلْقَا)

(دُرِّجُوا قَرْنًا فَقَرْنًا ... وَبَقَى مَنْ لَيْسَ يَبْقَى)

قَدِمَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ ابْنُ عَمٍّ لَهُ فَقَالَ لَهُ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ فَقَالَ: مِنْ طَلَبِ الدُّنْيَا. فَقَالَ: هَلْ أَدْرَكْتَهَا؟ قَالَ: لا. قَالَ: واعجبا! أَنْتَ تَطْلُبُ شَيْئًا لَمْ تُدْرِكْهُ, فَكَيْفَ تُدْرِكُ شَيْئًا لَمْ تَطْلُبْهُ.

يَا هَذَا عَلَيْكَ بِالْجِدِّ وَالاجْتِهَادِ, وَخَلِّ هَذَا الْكَسَلَ وَالرُّقَادَ فَطَرِيقُكَ لا بُدَّ لَهَا مِنْ زَادٍ.

(انْهَضْ إِلَى الْمَعَالِي ... وَأَقْبِلْ وَلا تُبَالِي)

(وَخُذْ مِنَ الزَّمَانِ ... حَظًّا فَأَنْتَ فَانِي)

(الْهِمَمُ الْعَلِيَّةْ ... وَالْمُهَجُ الأَبِيَّةْ)

(تُقَرِّبُ الْمَنِيَّةْ ... مِنْكَ أَوِ الأُمْنِيَّةْ)

(الْمَجْدُ بِالْمُخَاطَرَةْ ... وَالنَّصْرُ بِالْمُصَابَرَةْ)

(كَمْ رَاحَةٍ فِي الْعُزْلَةْ ... وَعَمَلٍ فِي الْعُطْلَةْ)

(لَيْسَ يَدُومُ حَالٌ ... شَحْمُ الْمُنَى هُزَالٌ)

(مَا لِلْوَرَى فِي غَفْلَةْ ... قَدْ خُدِعُوا بِالْمُهْلَةْ)

(أَلا لَبِيبٌ يَعْقِلُ ... أَلا جَهُولٌ يَسْأَلُ)

(أَأَنْتُمُ فِي رِيبَةْ ... مَا أَعْظَمُ الْمُصَيِبةْ)

(دُنْيَاكُمُ حَبِيبَةْ ... لِحُسْنِهَا وَالطِّيبَةْ)

(لَكِنَّهَا غَدَّارَةْ ... خَدَّاعَةٌ غَرَّارَةْ)

(لَيْسَ لَهَا حَبِيبُ ... زَوَالُهَا قَرِيبُ)

(كَالْمُومِسِ الْبَغِيِّ ... تَلْبَسُ كُلَّ زِيِّ)

(خَلَوبَةٌ خَوَّانَةْ ... لَيْسَ لَهَا أَمَانَةْ)

(عَزِيزُهَا ذَلِيلُ ... كَثِيرُهَا قَلِيلُ)

(تُفَرِّقُ الأَحْبَابَا ... تُشَتِّتُ الأَتْرَابَا)

(حَرْبٌ لِمَنْ سَالَمَهَا ... تَمَلُّ مَنْ لازَمَهَا)

(لِقَاؤُهَا فِرَاقُ ... وَعُرْسُهَا طَلاقُ)

(وِصَالُهَا صدود ... ووعدها وعيد)

(وصالها عنا ... صدودها بلا)

(عُقُودُهَا مَنْقُوضَةْ ... عُهُودُهَا مَرْفُوضَةْ)

(شَرَابُهَا سَرَابُ ... نَعِيمُهَا عذاب)

(إِنْ أَقْبَلَتْ فَفِتْنَةْ ... أَوْ أَدْبَرَتْ فَمِحْنَةْ)

(أَخْلاقُهَا مَذْمُومَةْ ... لَذَّاتُهَا مَسْمُومَةْ)

(يَحْظَى بِهَا الْجُهَّالُ ... وَيَنْعَمُ الأنذال)

(يشقى بها اللبيب ... ويتعب الأريب)

(فحل عَنْهَا يَا فَتَى ... إِلَى مَتَى إِلَى مَتَى!)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت