وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ إِنِّي لأَعْلَمُ آيَتَيْنِ لَا يَقْرَأُهُمَا عَبْدٌ عِنْدَ ذَنْبٍ يُصِيبُهُ وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إِلا غُفِرَ لَهُ قَوْلُهُ {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَو يظلم نَفسه} الآيَةُ وَقَوْلُهُ {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة} الآيَةُ.
قَالَ بَكْر بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزْنِيّ: إِنَّ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ تُرْفَعُ فَإِذَا رُفِعَتْ صَحِيفَةٌ فِيهَا اسْتِغْفَارٌ رُفِعَتْ بَيْضَاءُ وَإِذَا رُفِعَتْ صَحِيفَةٌ لَيْسَ فِيهَا اسْتِغْفَارٌ رُفِعَتْ سَوْدَاءُ.
عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: الْبُكَاءُ عَلَى الْخَطِيئَةِ يَحُطُ الْخَطَايَا كَمَا تُحَطُ الرِّيحُ الْوَرَقَ الْيَابِسَ.
قَالَ يَزِيد الرَّقَّاشِيُّ: بَلَغَنِي أَنَّهُ مَنْ بَكَى عَلَى ذَنْبٍ مِنْ ذُنُوبِهِ نَسِيَ حَافِظَاهُ ذَلِكَ الذَّنْبَ.
قَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ: الَّذِي حَجَبَ النَّاسُ عَنِ
التَّوْبَةِ طُولُ الأَمَلِ، وَعَلامَةُ التَّائِبِ إِسْبَالُ الدَّمْعَةِ وَحُبُّ الْخُلْوَةِ وَالْمُحَاسَبَةُ لِلنَّفْسِ عِنْدَ كُلِّ هِمَّةٍ.
قَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ الرَّازِيّ: الْمَغْبُونُ مَنْ عَطَّلَ أَيَامَهُ بِالْبِطَالاتِ وَسَلَّطَ جَوَارِحَهُ عَلَى الْهَلَكَاتِ وَمَاتَ قَبْلَ إِفَاقَتِهِ مِنَ الْجِنَايَاتِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: نَزَلَ السَّرِي بْنُ دِينَارٍ فِي دَارٍ بِمِصْرَ كَانَتْ فِيهِ امْرَأَةٌ جَمِيلَةٌ تَفْتِنُ النَّاسَ بِجَمَالِهَا فَعَلِمَتِ الْمَرْأَةُ فَقَالَتْ لأَفْتِنَنَّهُ فَلَمَّا دَخَلَتْ مِنْ بَابِ
الدَّرْبِ كَشَفَتْ وَأَظْهَرَتْ نَفْسَهَا
فَقَالَ السرى مَا لك قَالَت هَل كل فِي فرَاش وطيء وَعَيْشٍ رَخِيٍّ
فَأَقْبَلَ عَلَيْهَا وَهُوَ يَقُولُ
وَكَمْ ذِي مَعَاصٍ نَالَ مِنْهُنَّ لَذَّةً ... وَمَاتَ فَخَلَّاهَا وَذَاقَ الدَّوَاهِيَا
تصرمُ لَذَّاتُ الْمَعَاصِي وَتَنْقَضِي ... وَتَبْقَى تِبَاعَاتُ الْمَعَاصِي كَمَا هِيَا
فها سَوْأَتَا وَاللَّهُ رَاءٍ وَسَامِعُ ... لِعَبْدٍ بِعَيْنِ اللَّهِ يَغْشَى الْمَعَاصِيَا
قَالَ الأَصْمَعِيُّ: عَشِقَ رَجُلٌ مِنَ النُّسَّاكِ جَارِيَةً مِنَ الْبَصْرَةِ فَبَعَثَ يَخْطُبُهَا فَأَبَتْ وَقَالَتْ إِنْ أَرَدْتَ غَيْرَ ذَلِكَ فَعَلْتُ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا سُبْحَانَ اللَّهِ أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ أَدْعُوكِ إِلَى الْأَمر الصَّحِيح والحلال الَّذِي عَيْبَ فِيهِ وَلا وِزْرَ وَتَدْعِينَنِي إِلَى مَا لَا يَصْلُحُ لِي وَلَا لَك قَالَ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ قَدْ أَخْبَرْتُكَ بِالَّذِي عِنْدِي فَإِنْ أَرَدْتَ فَتَقَدَّمْ وَإِنْ كَرِهْتَ فَتَأَخَرْ
فَأَنْشَأَ الْفَتَى يَقُولُ
أُسَائِلُهَا الْحَلالَ وَتَدْعُ قَلْبِي ... إِلَى مَا تَشْتَهِيهِ مِنَ الْحَرَامِ
كَدَاعِي آلَ فِرْعَوْنَ إِلَيْهِ ... وَهُمْ يَدْعُونَهُ نَحْوَ الْغَرَامِ
فَظَلَّ مُنَعَّمًا فِي الْخُلْدِ يَسْعَى ... وَظَلُّوا فِي الْجَحِيمِ وَفِي السِّقَامِ
فَلَمَّا عَلِمَتْ أَنَّهُ قَدِ امْتَنَعَ عَلَيْهَا مِنَ الْفَاحِشَةِ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ أَنَا بَيْنَ يَدَيْكَ عَلَى الَّذِي تُحِبُّ، فَكَتَبَ إِلَيْهَا هَيْهَاتَ لَا حَاجَةَ لِي فِيمَنْ دَعَانِي إِلَى الْمَعْصِيَةِ وَأَنَا أَدْعُوهُ إِلَى الطَّاعَةِ وَقَالَ
لَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يُرَاقِبُ رَبَّهُ ... عِنْدَ الْهَوَى وَيَخَافُهُ أَحْيَانَا
إِنَّ الَّذِي يَبْغِي الْهَوَى وَيُرِيدُهُ ... كَمُؤَاجِرٍ شَيْطَانَهُ شَيْطَانَا
حَجَبَ التُّقَى بَابَ الْهَوَى فَأَخُو التُّقَى ... عَفُّ الْخَلِيقَةِ زَائِدٌ إِيمَانَا