الزَّمَان أنصح المؤدبين وأفصح المؤذنين فانتبهوا بإيقاظه واعتبروا بألفاظه
(فكم هَذَا التصامم والتعامي ... وَكم هَذَا التغافل والتواني)
(لَو أَنا قد فهمنا عَن خراب ... الديار مقالها لم يبن بَان)
(ويجني الْعَيْش كل أَذَى ويهوى ... فيا للعيش يعشق وَهُوَ جَان)
(فَللَّه الأولى درجوا جَمِيعًا ... وَزَادَهُمْ النَّجَاء من الهوان)
(وَمَا عَلقُوا من الدُّنْيَا بِشَيْء ... سوى بلغ بأطراف البنان)
(وَلما أَن رَضوا شعث النواصي ... تَقِيّ وهبوا التصنع للغواني)
لله در العارفين بزمانهم إِذْ باعوا مَا شانهم بإصلاح شَأْنهمْ مَا أقل مَا تعبوا وَمَا أيسر مَا نصبوا وَمَا زَالُوا حَتَّى نالوا مَا طلبوه شمروا عَن سوق الْجد فِي سوق العزائم وَرَأَوا مطلوبهم دون غَيره ضَرْبَة لَازم وجادوا مُخلصين فَرَبِحُوا إِذْ خسر حَاتِم
وَأَصْبحُوا منزل النجَاة وَأَنت فِي اللَّهْو نايم مَتى تسلك طريقهم يَا ذَا المآثم مَتى تندب الذُّنُوب ندب المآتم
يَا رجَالًا مَا بَانَتْ رجوليتهم إِلَّا بالعمايم
يَا إخوان: الأمل قد بَقِي الْقَلِيل وتفنى المواسم أَيْن أَنْت من الْقَوْم مَا قَاعد كقائم
يَا صبيان التَّوْبَة هلالكم خفى فدوموا على الْمُعَامَلَة يصر بَدْرًا لَا بُد من ضيف ولنبلونكم
الطَّبْع يحن إِلَى المألوف وَالْولد يطْلب مَا يَشْتَهِي وَالزَّوْجَة تروم سَعَة النَّفَقَة والورع يخْتم كيس التَّصَرُّف {هُنَالك ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وزلزلوا زلزالا شَدِيدا}
أَيدي صبيان التَّوْبَة فِي أَفْوَاههم بعد طعم الرضاء بَينا ليل زللهم قد عسعس إِذْ صبح يَوْم تَوْبَتهمْ قد تنفس فَكلما احترقت قُلُوبهم بالخوف تعرضوا بنسمات الرَّجَاء للعفو
(لَا عدا الرّوح من تهَامَة أنفاسا ... إِذا استروحت تمنيت نجدا)
يَا صبيان التَّوْبَة طبيبكم متلطف تَارَة بالتشويق وَتارَة بالتخويف هَذِه الطير إِذا انْشَقَّ بيضها عَن الْفِرَاخ علم الْأَب وَالأُم إِن حوصلة الفرخ لَا تحْتَمل الْغذَاء فينفخان الرّيح فِي حلقه لتسْع الحوصلة ثمَّ يعلمَانِ أَن الحوصلة تفْتَقر إِلَى دبغ وتقوية فيأكلان من صاروج الْحِيطَان وَهُوَ شَيْء فِيهِ ملوحة كالسبخ ثمَّ يزقانه إِيَّاه فَإِذا اشتدت الحوصلة زقياه الْحبّ فَإِذا علما أَنه قد أطَاق اللقط منعاه بعض الْمَنْع فَإِذا جَاع لقط فَإِذا رأياه قد اسْتَقل باللقط ضرباه بالأجنحة إِذا سَأَلَهُمَا الزق
فتأملوا تدبيري لكم فِي المواعظ الطِّفْل لَا يصبر عَن الرَّضَاع سَاعَة فَإِذا صَار رجلا صَبر عَن الطَّعَام يَوْمَيْنِ إِنَّمَا تقع الكلفة بِقدر الطَّاقَة لما كَانَ الطاير يحْتَاج أَن يزق فرخه لم يحمل عَلَيْهِ إِلَّا تَدْبِير بيضتين، وَلما كَانَت الدَّجَاجَة تحضن وَلَا تزق كَانَ بيضها أَكثر وَلما كَانَت الضبة لَا تحضن وَلَا تزق صَارَت تبيض سِتِّينَ بَيْضَة وتحفر لَهُنَّ وتترك التُّرَاب عَلَيْهِنَّ وَبعد أَيَّام تنبشهن فيخرجن كلما قوى الْحَامِل زيد فِي الْحمل فِي أول مقَام يَقُول {يحب التوابين} وَفِي أوسطه بعيني مَا يتَحَمَّل المتحملون وَفِي الْمقَام الْأَعْلَى كذب من من ادّعى محبتي فَإِذا جنه اللَّيْل نَام عني
كَانَ أَبُو سُلَيْمَان الدَّارَانِي يبكي حَتَّى ينْبت الرّيع من عَيْنَيْهِ
وَكَانَ عَطاء السلمى يبكي حَتَّى لَا يقدر أَن يبكي
(يَا منفذا مَاء الجفون ... وَكنت أنفقهُ عَلَيْهِ)
(إِن لم تكن عَيْني فَأَنت ... أعز من نظرت إِلَيْهِ)
كَانُوا إِذا ضيق الْخَوْف عَلَيْهِم الخناق نفسوه بالرجاء فَكَانَ أَبُو سُلَيْمَان يَقُول إلهي إِن طالبتني بذنوبي طالبتك بكرمك، وَإِن أسكنتني النَّار بَين أعدائك لأخبرنهم أنِّي كنت أحبك
وَكَانَ يحيى ابْن معَاذ يَقُول إِن قَالَ لي يَوْم الْقِيَامَة عَبدِي مَا غَرَّك بِي قلت إلهي بِرُّك بِي
(تجاسرت فكاشفتك ... لما غلب الصَّبْر)
(فَإِن عنفني النَّاس ... فَفِي وَجهك لي عذر)
(لَان الْبَدْر مُحْتَاج ... إِلَى وَجهك يَا بدر)